تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
والمعنى : وأقبلنا إلى كل عمل عملوه - والعمل هو الذي يعيش به الإنسان بعد الموت - ففرّقناه تفريقا لا ينتفعون به كالهباء المنثور ، والكلام مبني على التمثيل مثّل به استيلاء القهر الإلهي على جميع أعمالهم التي عملوها لسعادة الحياة وإبطالها بحيث لا يؤثر في سعادة حياتهم المؤبدة شيئا بتشبيهه بسلطان غلب عدوه فحلّ داره بعد ما ظهر عليه فخرّب الدار وهدم الآثار وأحرق المتاع والأثاث فأفنى منه كل عين وأثر . ولا منافاة بين ما تدل عليه الآية من حبط الأعمال يومئذ وبين ما تدل عليه آيات أخر أن أعمالهم أحبطت حينما عملوها في الدنيا بكفرهم وإجرامهم فإن معنى الإحباط بعد الموت ظهور الحبط لهم بعد ما كان خفيا في الدنيا عليهم وقد تقدم كلام مشبع في معنى الحبط في الجزء الثاني من الكتاب فراجع . قوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
المراد بأصحاب الجنة المتقون فقد تقدم قوله قبل آيات :
« قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ »
، والمستقر والمقيل اسما مكان من الاستقرار ومعناه ظاهر ومن القيلولة وهي الاستراحة في منتصف النهار سواء كان معها نوم أم لا - على ما قيل - والجنة لا نوم فيه . وكلمتا
« خَيْرٌ »
و
« أَحْسَنُ »
منسلخان عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
( الروم / 27 ) ، وقوله :
ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ
( الجمعة / 11 ) كذا قيل ، وليس يبعد أن يقال : إن
« افْعَلْ »
أو ما هو في معناه كخير بناء على ما رجّحنا أنه صفة مشبهة تدل على التفضيل بمادته لا بهيئته في مثل هذه الموارد غير منسلخ عن معنى التفضيل والعناية في ذلك أنهم لما اختاروا الشرك والإجرام واستحسنوا ذلك ولازمه النار في الآخرة فقد أثبتوا لها خيرية وحسنا فقوبلوا بأن الجنة وما فيها خير وأحسن حتى على لازم قولهم فعليهم أن يختاروها على النار وأن يختاروا الإيمان على الكفر على أي حال ، وقيل : إن التفضيل مبني على التهكم .