ومن لطيف التعبير قوله في الآية السابقة :
« يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ »
الخ ؛ وفي هذه الآية
« يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ »
الخ ؛ فإن في ذلك تدرّجا لطيفا في النداء والاستغاثة فحذف المنادى في الآية السابقة يلوح إلى أنه يريد أي منج ينجيه مما هو فيه من الشقاء وذكر الويل بعد ذلك - في هذه الآية يدل على أنه بان له أن لا يخلصه من العذاب شيء قط إلا الهلاك والفناء ، ولذلك نادى الويل .
قوله تعالى :
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
تعليل للتمني السابق ، والمراد بالذكر مطلق ما جاءت به الرسل أو خصوص الكتب السماوية وينطبق بحسب المورد على القرآن .
وقوله :
وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
من كلامه تعالى ويمكن أن يكون تتمة الكلام الظالم ذكره تأسفا وتحسرا .
والخذلان بضم الخاء ترك من يظن به أن ينصر نصرته ، وخذلانه أنه يعد الإنسان أن ينصره على كل مكروه إن تمسك بالأسباب ونسي ربه فلما تقطعت الأسباب بظهور القهر الإلهي يوم الموت جزئيا ويوم القيامة كليا خذله وسلمه إلى الشقاء ، قال تعالى :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ
( الحشر / 16 ) ، وقال فيما يحكي عن الشيطان يوم القيامة :
ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ
( إبراهيم / 22 ) .
وفي هذه الآيات الثلاث إشعار بل دلالة على أن السبب العمدة في ضلال أهل الضلال ولاية أهل الأهواء وأولياء الشيطان ، والمشاهدة يؤيد ذلك .
قوله تعالى :
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً
المراد بالرسول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم بقرينة ذكر القرآن ، وعبر عنه بالرسول تسجيلا لرسالته وإرغاما لأولئك القادحين في رسالته وكتابه والهجر بالفتح فالسكون الترك .