ظاهر وقوع الآية موقعها أنها نزلت في ذيل الآيات السابقة من السورة وهي مدنية ولم تنزل بمكة قبل الهجرة على ما يؤيده سياقها وخاصة ذيلها .
فالآية - على هذا - وعد جميل للذين آمنوا وعملوا الصالحات أن اللّه تعالى سيجعل لهم مجتمعا صالحا يخص بهم فيستخلفهم في الأرض ويمكّن لهم دينهم ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا لا يخافون كيد منافق ولا صدّ كافر يعبدونه لا يشركون به شيئا .
فقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
من فيه تبعيضيّة لا بيانية والخطاب لعامة المسلمين وفيهم المنافق والمؤمن وفي المؤمنين منهم من يعمل الصالحات ومن لا يعمل الصالحات ، والوعد خاص بالذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات محضا .
وقوله :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
إن كان المراد بالاستخلاف إعطاء الخلافة الإلهية كما ورد في آدم وداود وسليمان عليهم السّلام ، قال تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
( البقرة / 30 ) ، وقال :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
( ص / 26 ) ، وقال :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ
( النمل / 16 ) ، فالمراد بالذين من قبلهم خلفاء اللّه من أنبيائه وأوليائه ولا يخلو من بعد كما سيأتي .
وإن كان المراد به إيراث الأرض وتسليط قوم عليها بعد قوم كما قال :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
( الأعراف / 128 ) ، وقال :
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
( الأنبياء / 105 ) ، فالمراد بالذين من قبلهم المؤمنون من أمم الأنبياء الماضين الذين أهلك اللّه الكافرين والفاسقين منهم ونجّى الخلّص من مؤمنيهم كقوم نوح وهود وصالح وشعيب كما أخبر عن جمعهم في قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
( إبراهيم / 14 ) ، فهؤلاء الذين أخلصوا للّه