فنجّاهم فعقدوا مجتمعا صالحا وعاشوا فيه حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم .
وقوله :
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ
تمكين الشيء إقراره في مكان وهو كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل بحيث يؤثر أثره من غير مانع ولا حاجز فتمكن الدين هو كونه معمولا به في المجتمع من غير كفر به واستهانة بأمره ، ومأخوذا بأصول معارفه من غير اختلاف وتخاصم وقد حكم اللّه سبحانه في مواضع من كلامه أن الاختلاف في الدين بغي المختلفين كقوله :
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
( البقرة / 213 ) .
والمراد بدينهم الذي ارتضى لهم دين الإسلام ، وأضاف الدين إليهم تشريفا لهم ولكونه من مقتضى فطرتهم .
وقوله :
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
هو كقوله :
« وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ »
عطف على قوله :
« لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ »
وأصل المعنى : وليبدلن خوفهم أمنا فنسبة التبديل إليهم إما على المجاز العقلي أو على حذف مضاف يدل عليه قوله :
« مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ »
والتقدير وليبدلن خوفهم ، أو كون
« أَمْناً »
بمعنى : آمين .
والمراد بالخوف على أي حال ، ما كان يقاسيه المؤمنون في صدر الإسلام من الكفار والمنافقين .
وقوله :
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
الأوفق بالسياق أن يكون حالا من ضمير
« وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ »
أي وليبدلن خوفهم أمنا في حال يعبدونني لا يشركون بي شيئا .
وقوله :
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
ظاهر السياق كون
« ذلِكَ »
إشارة إلى الموعود والأنسب على ذلك كون
« كَفَرَ »
من الكفران مقابل الشكر ، والمعنى : ومن كفر ولم يشكر اللّه بعد تحقق هذا الوعد بالكفر أو النفاق أو سائر المعاصي الموبقة فأولئك هم الفاسقون الكاملون في الفسق وهو الخروج عن زي العبودية .