والذي يعطيه سياق الآية الكريمة على ما تقدم من البحث بالتحرّز عن المسامحات التي ربما يرتكبها المفسرون في تفسير الآيات هو أن الوعد لبعض الأمة لا لجميعها ولا لأشخاص خاصة منهم وهم الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات فالآية نص في ذلك ، ولا قرينة من لفظ أو عقل يدلّ على كونهم هم الصحابة أو النبي وأئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، ولا على أن المراد بالذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات جميع الأمة وإنما صرف الوعد إلى طائفة خاصة منهم تشريفا لهم أو لمزيد العناية بهم فهذا كله تحكّم من غير وجه .
والمراد باستخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم عقد مجتمع مؤمن صالح منهم يرثون الأرض كما ورثها الذين من قبلهم من الأمم الماضين أولي القوة والشوكة ، وهذا الاستخلاف قائم بمجتمعهم الصالح من دون أن يختص به أشخاص منهم كما كان كذلك في الذين من قبلهم ، وأما إرادة الخلافة الإلهية بمعنى الولاية على المجتمع كما كان لداود وسليمان ويوسف عليهم السّلام وهي السلطنة الإلهية فمن المستبعد أن يعبّر عن أنبيائه الكرم بلفظ
« الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
وقد وقعت هذه اللفظة أو ما بمعناها في أكثر من خمسين موضعا من كلامه تعالى ولم يقصد ولا في واحد منها الأنبياء الماضون مع كثرة ورود ذكرهم في القرآن ، نعم ذكرهم اللّه بلفظ
« رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ » *
أو
« رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي »
أو نحوهما بالإضافة إلى الضمير الراجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم .
والمراد بتمكين دينهم الذي ارتضى لهم كما مرّ ثبات الدين على ساقه بحيث لا يزلزله اختلافهم في أصوله ، ولا مساهلتهم في إجراء أحكامه ، والعمل بفروعه وخلوص المجتمع من وصمة النفاق فيه .
والمراد من تبديل خوفهم أمنا انبساط الأمن والسلام على مجتمعهم بحيث لا يخافون عدوّا في داخل مجتمعهم أو خارجه متجاهرا أو مستخفيا على دينهم أو دنياهم .
قوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ