هذه الآية والآيات الأربع التالية لها .
فكونه تعالى نور السماوات والأرض يدلّ عليه أن ما في السماوات والأرض موجود بوجود ليس من عنده ولا من عند شيء مما فيهما لكونه مثله في الفاقة ، فوجود ما فيهما من موجود من اللّه الذي ينتهي اليه الحاجات .
فوجود كل شيء مما فيهما كما يظهر به نفس الوجود يدل على من يظهره بما أفاض عليه من الوجود فهو نور يستنير به الشيء ويدل على منوّره بما أشرق عليه من النور وأن هناك نورا يستنير به كل شيء فكل شيء مما فيهما يدل على أن وراءه شيئا منزّها من الظلمة التي غشيته ، والفاقة التي لزمته ، والنقص الذي لا ينفك عنه ، وهذا هو تسبيح ما في السماوات والأرض له سبحانه ، ولازمه نفي الاستقلال عن كل من سواه وسلب أي إله ورب يدبر الأمر دونه تعالى .
وإلى ذلك يشير قوله :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ »
وبه يحتج تعالى على كونه نور السماوات والأرض لأن النور هو ما يظهر به الشيء المستنير ثم يدل بظهوره على مظهره ، وهو تعالى يظهر ويوجد بإظهاره وإيجاده الأشياء ثم يدل على ظهوره ووجوده .
وتزيد الآية بالإشارة إلى لطائف يكمل بها البيان :
منها : اختصاصها من في السماوات والأرض والطير صافات وهم العقلاء وبعض ذوات الروح بالذكر مع عموم التسبيح لغيرهم لقوله :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
.
ولعلّ ذلك من باب اختيار أمور من أعاجيب الخلقة للذكر فإن ظهور الموجود العاقل الذي يدل عليه لفظ « من السماوات والأرض » من عجيب أمر الخلقة الذي يدهش لبّ ذي اللب ، كما أن صفيف الطير الصافّات في الجو من أعجب ما يرى من أعمال الحيوان ذي الشعور وأبدعه .