تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وأما الزائد عليه فلم يملكهم ذلك فله أن يختص به من يشاء فلا يعلل ذلك إلا بمشية ، وللكلام تتمة ستوافيك إن شاء اللّه في بحث مستقل . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
إلى آخر الآية ؛ السراب هو ما يلمع في المفازة كالماء ولا حقيقة له ، والقيع والقاع هو المستوي من الأرض ومفرداهما القيعة والقاعة كالتينة والتمرة ، والظمآن هو العطشان . لما ذكر سبحانه المؤمنين ووصفهم بأنهم ذاكرون له في بيوت معظمة لا تلهيهم عنه تجارة ولا بيع ، وأن اللّه الذي هو نور السماوات والأرض يهديهم إلى نوره فيمكرهم بنور معرفته قابل ذلك بذكر الذين كفروا فوصف أعمالهم تارة بأنها لا حقيقة لها كسراب بقيعة فلا غاية لها تنتهي إليها ، وتارة بأنها كظلمات بعضها فوق بعض لا نور معها وهي حاجز عن النور ، وهذه الآية هي التي تتضمن الوصف الأول . فقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
شبّه أعمالهم - وهي التي يأتون بها من قرابين وأذكار وغيرهما من عباداتهم يتقربون بها إلى آلهتهم - بسراب بقيعة يحسبه الإنسان ماء ولا حقيقة له يترتب عليها ما يترتب على الماء من رفع العطش وغير ذلك . وإنما قيل : يحسبه الظمآن ماء مع أن السراب يتراءى ماء لكل راء لأن المطلوب بيان سيره اليه ولا يسيره اليه إلا الظمآن يدفعه اليه ما به من ظماء ، ولذلك رتب عليه قوله :
« حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً »
كأنه قيل : كسراب بقيعة يتخيله الظمآن ماء فيسير اليه ويقبل نحوه ليرتوي ويرفع عطشه به ، ولا يزال يسير حتى إذا جاءه لم يجده شيئا . والتعبير بقوله :
« جاءَهُ »
دون أن يقال : بلغه أو وصل اليه أو انتهى اليه ونحوها للإيماء إلى أن هناك من يريد مجيئه وينتظره انتظارا وهو اللّه سبحانه ، ولذلك أردفه بقوله :
« وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ »
فأفاد أن هؤلاء يريدون بأعمالهم الظفر بأمر تبعثهم نحوه فطرتهم