تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
وجبلتهم وهو السعادة التي يريدها كل إنسان بفطرته وجبلته لكن أعمالهم لا توصلهم اليه ، ولا أن الآلهة يبتغون بأعمالهم جزاء حسنا منهم لهم حقيقة بل الذي ينتهي اليه أعمالهم ويحيط هو بها ويجزيهم هو اللّه سبحانه فيوفيهم حسابهم ، وتوفية الحساب كناية عن الجزاء بما يستوجبه حساب الأعمال وإيصال ما يستحقه صاحب الأعمال . ففي الآية تشبيه أعمالهم بالسراب ، وتشبيههم بالظمآن يريد الماء وعنده عذب الماء لكنه يعرض ولا يصغي إلى مولاه الذي ينصحه ويدعوه إلى شربه بل يحسب السراب ماء فيسير اليه ويقبل نحوه ، وتشبيه مصيرهم إلى اللّه سبحانه بحلول الآجال وعند ذلك تمام الأعمال بالظمآن السائر إلى السراب إذا جاءه وعنده مولاه الذي كان ينصحه ويدعوه إلى شرب الماء . فهؤلاء قوم ألهوا عن ذكر ربهم والأعمال الصالحة الهادية إلى نوره وفيه سعادتهم وحسبوا أن سعادتهم عند غيره من الآلهة الذين يدعونهم ، والأعمال المقربة إليهم وفيها سعادتهم فأكبوا على تلك الأعمال السرابية واستوفوا ما يمكنهم أن يأتوا بها مدة أعمارهم حتى حلت آجالهم وشارفوا الدار الآخرة فلم يجدوا شيئا مما يؤملونه من أعمالهم ولا أثرا من ألوهية آلهتهم فوفاهم اللّه حسابهم واللّه سريع الحساب . وقوله :
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
إنما هو لإحاطة علمه بالقليل والكثير والحقير والخطير والدقيق والجليل والمتقدم والمتأخر على حد سواء . قوله تعالى :
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ
تشبيه ثان لأعمالهم يظهر به أنها حجب متراكمة على قلوبهم تحجبهم عن نور المعرفة ، وقد تكرر في كلامه تعالى أنهم في الظلمات كقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
( البقرة / 257 ) ،
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
( الأنعام / 122 ) ، وقوله :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ