والمراد بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة الإتيان بجميع الأعمال الصالحة التي كلّف اللّه تعالى عباده بإتيانها في حياتهم الدنيا ، وإقامة الصلاة ممثلة لإتيان ما للعبد من وظائف العبودية مع اللّه سبحانه ، وإيتاء الزكاة ممثل لوظائفه مع الخلق وذلك لكون كل منها ركنا في بابه .
والمقابلة بين ذكر اللّه وبين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهما - وخاصة الصلاة - من ذكر اللّه يعطي أن يكون المراد بذكر اللّه الذكر القلبي الذي يقابل النسيان والغفلة وهو ذكر علمي كما أن أمثال الصلاة والزكاة ذكر عملي .
فالمقابلة المذكورة تعطي أن المراد بقوله :
« عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ »
أنهم لا يشتغلون بشيء عن ذكرهم المستمر بقلوبهم لربهم وذكرهم الموقت بأعمالهم من الصلاة والزكاة ، وعند ذلك يظهر حسن التقابل بين التجارة والبيع وبين ذكر اللّه وإقام الصلاة ، الخ ، لرجوع المعنى إلى أنهم لا يلهيهم مله مستمر ولا موقت عن الذكر المستمر والموقت ، فافهم ذلك .
وقوله :
يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
هذا هو يوم القيامة ، والمراد بالقلوب والأبصار ما يعمّ قلوب المؤمنين والكافرين وأبصارهم لكون القلوب والأبصار جمعا محلّى باللام وهو يفيد العموم .
وأما تقلّب القلوب والأبصار فالآيات الواصفة لشأن يوم القيامة تدل على أنه بظهور حقيقة الأمر وانكشاف الغطاء كما قال تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( ق / 22 ) ، وقال :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
( الزمر / 47 ) ، إلى غير ذلك من الآيات .
فتنصرف القلوب والأبصار يومئذ عن المشاهدة والرؤية الدنيوية الشاغلة عن اللّه الساترة للحق والحقيقة إلى سنخ آخر من المشاهدة والرؤية وهو الرؤية بنور الايمان والمعرفة فيتبصر المؤمن بنور ربه وهو نور الإيمان والمعرفة فينظر إلى كرامة اللّه ، ويعمى الكافر ولا يجد