تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
رسول ولا نبي إلا إذا تلا وقرء آيات اللّه ألقى الشيطان شبها مضلة على الناس بالوسوسة ليجادلوه بها ويفسدوا على المؤمنين إيمانهم فيبطل اللّه ما يلقيه الشيطان من الشبه ويذهب به بتوفيق النبي لردّه أو بإنزال ما يرده . وفي الآية دلالة واضحة على اختلاف معنى النبوة والرسالة لا بنحو العموم والخصوص مطلقا كما اشتهر بينهم أن الرسول هو من بعث وأمر بالتبليغ والنبي من بعث سواء أمر بالتبليغ أم لا ، إذ لو كان كذلك لكان من الواجب أن يراد بقوله في الآية :
« وَلا نَبِيٍّ »
غير الرسول أعني من لم يؤمر بالتبليغ ، وينافيه قوله :
« وَما أَرْسَلْنا »
. وقد قدّمنا في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب ما يدل من روايات أئمة أهل البيت عليهم السّلام أن الرسول هو من ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلمه والنبي هو من يرى المنام ويوحى اليه فيه ، وقد استفدنا مضمون هذه الروايات من قوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
( الإسراء / 95 ) في الجزء الثالث عشر من الكتاب . وفي قوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة ، والوجه فيه العناية بذكر لفظ الجلالة وإسناد النسخ والإحكام إلى من لا يقوم له شيء ، ولذلك بعينه أعاد لفظ الجلالة ثانيا مع أنه من وضع الظاهر موضع المضمر ومنه أيضا إعادة لفظ الشيطان ثانيا دون ضميره ليشار إلى أن الملقى هو الشيطان الذي لا يعبأ به وبكيده في قباله تعالى ، وكان الظاهر أن يقال : فينسخ ما يلقيه ثم يحكم آياته . قوله تعالى :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
الخ ؛ مرض القلب عدم استقامة حاله في التعقل بأن لا يذعن بما من شأنه أن يذعن به من الحق وهو الشك والارتياب ، وقساوة القلب صلابته وغلظه مأخوذ من الحجر القاسي أي الصلب . وصلابته بطلان عواطفه الرقيقة المعينة في إدراك المعاني الحقة