رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
كان القوم يكذبون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إذا أخبرهم أن اللّه سبحانه وعده أن يعذبهم إن لم يؤمنوا به فكانوا يستعجلونه العذاب استهزاء به وتعجيزا له قائلين : متى هذا الوعد ؟ فردّ اللّه عليهم بقوله :
« وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ »
فإن كان المراد بالعذاب عذاب مشركي مكة فالذي وعدهم من العذاب هو ما ذاقوه يوم بدر وإن كان المراد به ما يقضى به بين النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبين أمته بعذاب موعود لم ينزل بعد وقد أخبر اللّه عنه في قوله :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ
( يونس / 47 ) إلى آخر الآيات .
وقوله :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
حكم بتساوي اليوم الواحد والألف سنة عند اللّه سبحانه فلا يستقلّ هذا ولا يستكثر ذلك حتى يتأثر من قصر اليوم الواحد وطول الألف سنة فليس يخاف الفوت حتى يعجل لهم العذاب بل هو حليم ذو أناة يمهلهم حتى يستكملوا دركات شقائهم ثم يأخذهم فيما قدّر لهم من أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، ولذا عقّب الكلام بقوله في الآية التالية :
« وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ »
.
وقوله
« وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ »
رد لاستعجالهم بالعذاب بأن اللّه يستوي عنده قليل الزمان وكثيره ، كما أن قوله :
« وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ »
تسلية وتأييد للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وردّ لتكذيبهم له فيما أخبرهم به من وعد اللّه وتعجيزهم له واستهزائهم به .
قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
الآية - كما مر - متممة لقوله :
« وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ »
بمنزلة الشاهد على صدق المدّعى ، والمعنى : قليل الزمان وكثيره عند ربك سواء وقد أملى لكثير من القرى الظالمة وأمهلها ثم أخذها بعد مهل .
وقوله :
وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
بيان لوجه عدم تعجيله العذاب لأن لما كان مصير كل شيء اليه فلا يخاف الفوت حتى يأخذ الظالمين بعجل .