الكتاب القدرة التكوينية الخارقة كالتي كانت حاصلة لدى آصف ، وقد أشارت إليه سورة الرعد نفسها في قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى . . . ) ( 1 ) ومن الواضح أنّ هذه الخاصّية والصفة إنّما تُعطى لذوي المناصب الإلهية كالأوصياء والرسل ، ومن ثمّ وصف بعلم الكتاب أكثر أنبياء الله .
كما أنّ آيات الثقل الأوّل في هذه الطائفة مبيّنة لاحتواء الكتاب بكلّ المشيئات الإلهية وبكلّ غائبة في السماوات والأرض وكلّ صغيرة وكبيرة ورطب ويابس ، فالإحاطة بمثل هذا العلم لم يكن لدى من أسلم من اليهود والنصارى كما زُعِم ، كعبد الله بن سلام وتميم الداري وغيرهما ، فمع خطورة هذا المقام وعظمة شأن هذه الصفة يمتنع أن يكون مصداقها هؤلاء ، وذلك دليل بيّن على كون نزولها في مكّة وأنّ مصداقها هو من يكون وصياً للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) .
الرابع : إنّ شهادة من عنده علم الكتاب أمر أردف بشهادة الله تعالى للدلالة على أنّها تتلوها في السنخ ، وبعبارة أخرى : إنّ إدلاء الشاهد بالشهادة يستلزم تحمّل الشاهد عياناً للأمر المشهود به ، ممّا يعني أنّ الشاهد لديه إدراك حضوري عياني لعملية إنباء النبيّ ونزول الوحي على قلبه الشريف ، ونزول الوحي على قلب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أمر غيبي ليس من عالم الشهادة والحسّ ، فلا يتيسّر للشاهد الشهادة إلاّ أن يشهد بقلبه كيفية نزول الوحي على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وكيف لا يتيسّر له ذلك وعنده علم الكتاب الذي استطرّ فيه كلّ شيء .
وهذا ما يشير إليه قول علي ( عليه السلام ) في الخطبة المعروفة بالقاصعة : « . . . ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي
هامش
( 1 ) سورة الرعد 13 : 31 .