فتحصّل حينئذ :
إنّ من عنده علم الكتاب المقرونة شهادته بشهادة الله تعالى هو ممّن أسلم مع النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في مكّة ، وممّن قد زُوّد بعلم أمّ الكتاب ، أي ممّن له علماً لدنياً بتمام حقائق القرآن الكريم . ومن البيّن أنّ صلة الموصول في الآية دالّة على حجّية شهادته ، وأنّ منشأ تلك الحجّية هو إحاطته بالكتاب المستطرّ فيه المغيّبات ، إذ من يكون بهذه المنزلة هو الذي يتمكّن من تحمّل تلك الشهادة والإحاطة بصدق المشهود بها ، وهذا وجه حجّية شهادته .
وحيث احتجّ الله تعالى بشهادته فلابدّ من علم قريش ومعرفتهم لهذه الصفة التي فيه وإن جحدوا لساناً ، سواء حصلت معرفتهم بذلك - وبإتّصاف هذا الشاهد بهذه الصفة - سابقاً ، أو بتوسّط نفس الاحتجاج بأن يكون في وصف الله أنّ الشاهد هو بتلك الصفة تنبيهاً للكفّار على منشأ حجّية شهادته ، وأنّ ذلك المنشأ وتلك الصفة بإمكانهم التحقّق من وجودها والفحص عن ثبوتها في الشاهد .
وهذا ما تشير إليه المصادر التاريخية من وقيعة قريش في بني هاشم بأنّهم بيت سحر والعياذ بالله - وأنّه طالما رؤي منهم السحر . ووقيعتهم تلك كانت شاملة لعليّ ( عليه السلام ) ، ممّا يدلّل على مشاهدة قريش خوارق العادات من بني هاشم ومن عليّ ( عليه السلام ) ، إلاّ أنّهم يجحدوها بلسانهم ويصفوها بأنّها سحر .
ويشير إلى ذلك قول عليّ ( عليه السلام ) في الخطبة القاصعة عندما طلبت قريش من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يظهر لهم معجزة الشجرة في حركتها وتكلّمها ، فأظهر لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذلك ، فقال عليّ ( عليه السلام ) : « فقلت أنا لا إله إلاّ الله إنّي أوّل مؤمن بك يا رسول الله ، وأوّل من أقرّ أن الشجرة فعلت ما فعلت بإذن الله تعالى تصديقاً بنبوّتك وإجلالاً لكلمتك ، فقال القوم كلّهم : بل ساحر كذّاب عجيب السحر خفيف فيه ، وهل يصدقك في أمرك إلاّ مِثلُ هذا يعنونني - وإنّي لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، سيماهم سيماء
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 88
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص٨٨