النموذج السادس : سليمان وداود ( عليهما السلام )
قوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيمانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) ( 1 ) ، فهذه المقامات المذكورة والنعم الموصوفة هي غير مقامات النبوّة ، بل هي مقامات إمامة وولاية .
وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيمانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) ( 2 ) ، وهي كسابقتها من الآيات إذ الأعطيات التي استوجبت الحمد من قبل داود وسليمان لمكان الحبوة التي حُظيا بها من الله تعالى ، لا لمقام النبوّة منهما ، بل لحجّيتهما وإمامتهما .
قوله تعالى : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ( 3 ) ، فقد وصف الله تعالى داود أنّه عبد في هذه الآية والمقام ولم يذكر وصف النبوّة ، ممّا يدلّل - بمقتضى أنّ الوصف مشعر بالعلّية - على أنّ هذه الحبوات إنّما أعطيت له بمقتضى درجة العبودية التي وصل إليها ، والتي هي معنى الولاية كما في الخضر حيث قال تعالى ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) ( 4 ) .
فبيّنت الآية أنّ العلم اللدني والرحمة الخاصّة التي هي من مقامات الولاية وأعطيت للخضر استحقّها بالعبودية بدرجة خاصّة ، فهذه المقامات أعطيت لداود بسبب مقاماته في العبودية ، وهي الولاية ; لأنّ العبودية هي الجانب الذي يلي من العبد تجاه مولاه ، لا بما لداود من مقام النبوّة .
هامش
( 1 ) سورة سبأ 34 : 10 - 12 .
( 2 ) سورة النمل 27 : 15 .
( 3 ) سورة ص 38 : 17 .
( 4 ) سورة الكهف 18 : 65 .