فالآيات المتقدّمة تشير إلى حقيقة مهمّة وهي أنّ الحبوات التي حصل عليها الأنبياء لا لمجرّد كونهم أنبياء بل لكونهم حججاً أولياء وأئمّة ، فالنبوّة وإن كانت تحتاج إلى المعجزة ، إلاّ أنّ المعجزة لا ضرورة لدوامها واستمرارها بنحو ممتدّ ، بل يكفي وقوعها وحدوثها لإيجابها واستلزامها الثبات على نحو الدوام ، أي أنّ وجودها وإن كان دفعياً إلاّ أنّ حجّيتها ووصف الحجّية لها مستمرّ ; إذ هي في حدود تصديق نبوّة النبيّ .
فإذا تمّ الغرض انتفت الضرورة لاستمرار وجودها ، وإن كان بعض المعاجز كالقرآن الكريم - معاجز مستمرّة الوجود ، بينما هذه الحبوات والمقامات ثابتة لحجج الله تعالى وأوليائه ، وهو ما حدث وما يحدث لأئمّة آل البيت ( عليهم السلام ) من الحظوة بالمقامات الإلهية التي حازوا عليها وأكرمهم الله تعالى بحبواته ، فلا مجال إذن لإنكار هذه الحقيقة المعرفية القرآنية تحت ذريعة وغطاء التفويض والغلوّ كما توهّم البعض .
فإيتاء الملك لداود هي الإمامة . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ، إشارة إلى التدبير الاجتماعي الذي يديره داود في بني إسرائيل ، فإيتاء الملك يختلف عن إيتاء النبوّة ، فهو منصب خاصّ من قبل الله تعالى ، فالإمامة أهلية خاصّة غير أهلية النبوّة .
قوله تعالى : ( أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ( 1 ) ، فتوريث الأرض للعباد الصالحين لا لكونهم أنبياء ، بل لكونهم عباداً صالحين ، وهذا وعد إلهي .
إنّ أحد حدود الإمامة هي العبودية بدرجة فائقة لله تعالى وهي ولاية ولي الله الإمام وتولّيه لربّه تعالى ، وقد روى هارون بن الفضل ، قال : « رأيت أبا الحسن عليّ
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء 21 : 105 .