( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ( 1 ) ، والضمير في تأويله عائد إلى كلّ الكتاب ، وتأويل كلّ الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ولا رطب ولا يابس ولا غائبة في السماء والأرض إلاّ أحصاها ، ومعلوم أنّ الراسخين في العلم في هذه الأمّة هم صلوات الله عليهم أجمعين ; وذلك بشهادة آية التطهير ، وأنّ أهل البيت هم المطهّرون في هذه الأمّة ، وقد قال تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 2 ) .
وأما قوله تعالى : ( هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) ( 3 ) ، فالظاهر أنّ ذلك إشارة إلى ما أنعم الله عليه من معرفة تأويل الأحاديث ، ومنه تفسير الرؤيا الذي عرف به مآل مستقبل أهله وإخوته .
وهذا نوع من أنواع العلم اللدني الذي حُبي به يوسف ( عليه السلام ) ، ولا ربط له بالرسالة بل بعلوم الولاية . وتأويل الأحاديث أعمّ من تعبير الرؤيا إلاّ أنّه أخصّ من تأويل القرآن ; لأنّ تأويل القرآن تأويل لكلّ النشئات السابقة واللاحقة للنشئات الأخروية ، فالذي يحيط بعلم تأويل القرآن هو أعلم ومهيمن على علم من يحيط بتأويل الأحاديث ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) ( 4 ) ، إشارة إلى أنّ الاستنباط بالمعنى القرآني لا بمعنى الاجتهاد الظنّي ; إذ هو لا يورث العلم ولا يوقي عن اتّباع الشيطان في تدبير النظام الاجتماعي السياسي ; إذ يتوقّف ذلك علاوة على العلم المحيط بالتشريعات الإلهية ، على العلم اللدني المحيط
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 3 : 7 .
( 2 ) سورة الواقعة 56 : 77 - 80 .
( 3 ) سورة يوسف 12 : 100 .
( 4 ) سورة النساء 4 : 83 .