عن هذا التساؤل والاستغراب : ( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) ( 1 ) .
وحيث إنّ الخطاب مع مريم لم يكن بواسطة رسول ، فهو إمّا من قسم الوحي المباشر ، أو من وراء الحجاب بموجب الحصر المذكور في الآية : ( وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ( 2 ) .
والترتيب المذكور في الآية معنوي علاوة على كونه ترتيباً ذكرياً كما في الروايات ، ومن ثمّ كان التكليم من وراء حجاب فضلاً عن الوحي أرفع ممّا كان بواسطة الرسول ، ممّا يعبّر عن سموّ مكانة مريم .
وعندما نرجع إلى النماذج التي سبق الحديث عنها لا نلحظ هذا الارتباط المباشر مع الله فيها ، وعلى الأقلّ لا صراحة في ذلك ، على العكس من مريم فإنّ الآية صريحة في الخطاب المباشر .
( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأمَّهُ آيَةً . . ) ( 3 ) ، سبق أن ألفتنا إلى دلالة الآية على شراكة مريم في الإعجاز والحجّية ، وهو تقرير لعقيدة النصارى في مريم أنّها من أركان العقيدة ولكن لا بما هي محرّفة من التأليه .
كما أنّ مدلول الآية أعمّ من اصطفائها على نساء العالمين المدلول لآية أخرى .
بالإضافة إلى أنّ الآية ليست لخصوص أبناء الشريعة المسيحية ، وإنّما لكلّ البشر بما في ذلك أبناء الشريعة المحمّدية ، بعد أن كانت واحدة من عقائدنا الإيمان بآيات الله ، ومن ثمّ كان علينا بعد إخبار القرآن الإيمان بمقام السيدة مريم ،
هامش
( 1 ) سورة مريم 19 : 21 .
( 2 ) سورة الشورى 42 : 51 .
( 3 ) سورة المؤمنون 23 : 50 .