رحمانياً ، إلاّ أنّ مضمون الرسالة كان شديداً غايته على مريم ، وتفرّ منه لارتباطه بعرضها وناموسها ، ومن ثمّ اعترضت مرّة أخرى حين قالت :
( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) ، ويلحظ في المحادثة السابقة في سورة آل عمران أنّه لم تعتر مريم حالة الاستيحاش كما ظهر هنا ، وربما لأنّها كانت تسمعهم هناك من دون أن تراهم .
( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ ) ، تذكير مريم بما دار من حوار وحياني سابق .
قد يقال : كيف ينسجم هذا الاعتراض من مريم مع ما لها من مقام سام ، ثمّ هل نست الوحي السابق كي تعيد الاعتراض ثانية ؟
والجواب : لم تنس مريم ، ولكن صعوبة الموقف حيث إنّ القضية مرتبطة بالعرض ( وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) ، وبه يفسّر قولها : ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) .
وفي الروايات : أنّ الأنبياء والرسل يتحمّلون البلاء إلاّ ما يرتبط بالعرض .
( وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) ، وفي آل عمران : ( إِذَا قَضَى أَمْرًا ) ، الظاهر في التعليق ، ومن ثمّ يصلح قرينة إضافية على أنّ ما جرى في السورتين حواران اثنان وحيانيان .
( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ) ، لها دور رعاية وكفالة لصاحب الشريعة وباختيارها ، وهو يوافق ما يظهر من ثنايا زيارة فاطمة بنت أسد من أنّ رعايتها للرسول ( صلى الله عليه وآله ) كسبها مقام صفة بأنّها صدّيقة . . فإنّ لها إسهاماً في التمهيد لظهور النبيّ والمعجز .
ودور مريم وإن كان يحتوي على مخاطر لارتباطه بالعرض فهو سنّة قرآنية للجهاد بالعرض ، إلاّ أنّه كان لكشف دجل وزيف علماء اليهود المقيمين على تحريف الديانة ، ولم يتغلّب على فضحهم النبيّ زكريا ولا يحيى ، وهو نظير ما
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 519
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص٥١٩