تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
في القرية والمدينة ليس بالعمران والحضارة المادّية وإنّما المدنية والتحضّر بالمعرفة الأديانية . ( ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا . . ) ، ظاهره في أنّه مغاير للنبوّة ، حيث طلبوه من النبيّ ، وأنّه غير انتخابي ، وإنّما مجعول من الله تعالى ، وأنّه أرفع منزلة من ذلك النبيّ ; وإلاّ لما أمكن أن يحكم المفضول الفاضل . ثمّ إنّنا نؤكّد مرّة أخرى على أنّ الإمامة وإن كانت تستبطن الإيصال وأنّ لطف الله تعالى بالبشر ونعمته عليهم يتمّ بها فهي ضرورة ، إلاّ أنّها ليست بالإلجاء الإعجازي التكويني ، ومن ثمّ كان على المجتمع - كما ذكرنا في قصّة ذي القرنين - أن يبادر ويتحرّك تحت راية الإمام من أجل تحقيق الأغراض الإلهية المرتبطة بعموم المجتمع . ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا . . ) ، فهذا الملك عهد إلهي خاصّ ، وعبّر عنه القرآن الكريم ببعثة إلهية ، فالإمامة بعثة إلهية أيضاً ; لما تشمل من مقام غيبي لدني ، والمبعوث من الله تعالى إماماً بالتالي يكون سفيراً وله سفارة إلهية تغاير سفارة النبوّة والرسالة . فكون الإمامة سفارة إلهية وبعثة أصل قرآني ، وليس بالانتخاب والتعيين من البشر ، وطالوت من سلالة بنيامين أخ يوسف ( عليه السلام ) ومن ثمّ كان محور اعتراضهم ; حيث كانوا يرون أنّ الملك منحصر فيهم وهم أبناء لاوا الأخ الأكبر ليوسف ، وقد صاغ القرآن اعتراضهم : ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ) ، وكان جواب النبيّ لهم : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ . . ) فالأمر بيده تعالى ، لا أنّه يخضع للمقاييس العادية التي يتصوّرونها هم ، وإنّما هو نصب إلهي لا ملك دنيوي ، ومن ثمّ ستذكر الآيات اللاحقة معجزة هذا الملك ، والآية والمعجز دليل على أنّ النصب تشريعي إلهي ، فلابدّ أن يستجيب له البشر