زمن الفترة بين الرسل فلم يوَفّقوا لمعرفة الإمام والوصي الخفي آنذاك ، ولكن لم يمنعهم ذلك من الاستجابة لفطرتهم وعقولهم ، وإن كانت محدودة بالعمومات والأسس العامّة الفطرية الأوّلية الإجمالية ، فلم يحرموا من الهداية الإيصالية بالقدر الموازي لما عرفوه .
في حين نلحظ في القصّة اللاحقة أنّ دائرة ورقعة الهداية الإرائية أوسع من العقلية حيث اقترنت معها هداية تشريعية ، فالخضر كان تابعاً لموسى ومتديناً بشريعته ، سوى أنّ الهداية الإيصالية كانت خفية وبشكل غير رسمي .
في الوقت الذي نلحظ أنّ ذا القرنين زُوّد بالهداية الإيصالية الكاملة :
( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .
فالأنواع والدرجات التي أَلفتَ إليها القرآن في الهداية الإرائية الثلاث ، وبما أنّ الله بالغ أمره في من اتّبعها ، فتكون الهداية الإيصالية لكلّ درجة متناسبة معها .
وعندما ندرس خطوات الأنبياء نلحظ أنّها متدرّجة بالشكل الذي سلسلته سورة الكهف ، حيث إنّ أوّل خطوة يخطوها الرسول في طريق الدعوة إلى الله بإراءة الأمور الكلّية الفطرية ثمّ التشريعية في مرتبة ترافقها الهداية الإيصالية ذات الطابع السرّي غير المعلن ، ثمّ تصل الذروة كما نشهده في قصّة موسى حيث أقام الدولة ، وكذا سليمان والنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في بقعة من الأرض ، وتُختم جميعاً بدولة المهدي ( عليه السلام ) ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ، والذي كان نموذج ذي القرنين مثالاً له .
ولم يكتف القرآن بذلك كي ينبّهنا أنّ المجتمع البشري دوماً في حالة تقلّب وتغيّر في هذه الأدوار الثلاثة .
ثمّ إنّ الآيات لا تشير إلى انتماء أهل الكهف إلى شريعة خاصّة ، وكما في قوله تعالى : ( كَانَ النَّاسُ أمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أوتُوهُ مِنْ
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 505
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص٥٠٥