بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) ( 1 ) ، على الفترة لا يعني خلوّ الأرض من حجّة كما قد يتوهّم خصوصاً من تعبيره بالفاء في الآية الدالّة على التراخي ، وإنّما في كلّ عصر يوجد شريعة وهداية إيصالية ، سوى أنّ هناك فترات يكون فيها المعصوم مخفياً ، وإلاّ فبم نفسّر نبوّة آدم وكيف نكيفها مع الفترة مع الانسياق للتوهّم ؟
وهناك روايات ( 2 ) تدلّ على أنّ الهداية الإرائية موجودة ومتوفّرة ، وهي ما يحكم به العقل والفطرة العقلية في الإنسان وأنّه منجّز وأنّ الإنسان يؤاخذ عليها ويحتجّ بها عليه .
وقصّة أهل الكهف شاهد من بين شواهد كثيرة على أنّ التجاوب مع هذه الهداية الإرائية يوصل إلى الهداية الإيصالية ، فلا يحرم التسديد الإلهي في الوصول إلى الكمالات المنشودة والأغراض التي أراد الله من عبيده تحقيقها .
وللتذكير والإيقاظ : نلفت إلى أنّ أحكام العقل لا تغني عن الشرع ; لمحدوديتها وعموميتها ممّا يجعلها بحاجة إلى الشرع في تنزّلها وتفصّلها ، ومن ثمّ لا نلحظ في ما حدّثنا القرآن عن معارف أولئك الفتية والتزامهم أكثر من الأسس العامّة التي وفّرها الرسول الباطن لهم ، كالتوحيد وبعض الفروع الواضحة التي لا تخفى على العقل كقبح الكذب ، كما أنّ القرآن لم يحدّثنا عن توفّرهم على الهداية الإيصالية أوسع مدى من هدايتهم الإرائية .
النموذج الرابع القرآني : قصّة طالوت
وتبدأ من آية 246 البقرة وتنتهي بآية 253 .
في البداية نذكّر مرّة أخرى : إنّ منهجنا في التفسير يعتمد على الروايات التي
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 213 .
( 2 ) الكافي 2 / 464 .