أوّلاً : إنّ تمكينه في الأرض لأجل استصلاح المجتمعات البشرية وإيصالها إلى الكمال المنشود ببناء حضارتهم ومدنيتهم بالقدر اللازم ، وإرساء العدل وإفشاء الصلاح ورفع الظلم عنه ، كما يبدو ذلك من النماذج التي تعرّض لها القرآن من حياته .
والقرآن كما ذكرنا سابقاً يتناول التعريف بالحياة الشخصية للرجالات والأمم السابقة كسنن إلهية ، ويركّز على المحاور ذات العبرة التي تساهم في رسم العقيدة والشريعة ، والروايات حدّثتنا عن جملة من الأبعاد الشخصية لهؤلاء .
وما ذكر من ملك ذي القرنين الذي مُكّن منه مع النماذج التدبيرية التي قام بها ، تلحظ أنّها وثيقة الصلة في سورة الكهف بالمحور الأصلي وهي طمأنينة الرسول بأنّ الهداية الإيصالية وهي مقام الإمامة وأنّها هي التي ستحقّق أهداف الرسالة والهداية الإرائية التي هي مقام النبوّة .
( لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ) ، تخلّفهم أكثر من القوم الذين التقى بهم سابقاً .
ثانياً : ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّة ) ، مع أنّ ذا القرنين أوتي كلّ ما سبق وأنّه منصوب من قبل الله تعالى وفي الوقت الذي زوّد بتلك القدرة اللدنية وقد ملك فيها الدنيا ، إلاّ أنّه يطلب الإعانة ، ممّا يعني أنّ الغرض الإلهي لا يتحقّق بالإلجاء ، وإنّما لابدّ للأمّة أن تنهض بمسؤوليتها ، في الوقت الذي منّ الله عليها بالهداية الإيصالية أي بنصب الإمام لهم .
ومن هنا أمكن أن نفهم توجيه الخطاب بالحكم ووظائف الدولة للأمّة ، وأنّه لا يعني أنّ الولاية بيد الأمّة كما فهمه البعض ، كما لا يعني أنّ الأمّة مرفوع عنها المسؤولية تماماً في هذا المجال ، وإنّما تعني أنّ هناك مسؤولية ملقاة على عاتق الأمّة تجاه الحكم والوالي ، وهي الإعانة والتجاوب والطاعة ، حيث لم تكن سنة الله الإلجاء وكن فيكون في نشأة الدنيا ، وبالتالي اليد الواحدة - يد الوالي - لا
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 496
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص٤٩٦