العموم ، ومدخولها في غاية الإبهام والعمومية .
( سَبَبًا ) لم يستعمل القرآن في غير ذي القرنين ، نعم ذكرت منفية عن غيره ، ( فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ ) ( 1 ) ، ( لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ ) ( 2 ) ، ( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ ) ( 3 ) . والسبب في اللغة : كلّ شيء يقتدر به على شيء آخر ، سوى أنّه في القرآن استعمل في الوسيلة غير المتعارفة .
وهذا الإعطاء حبوة إلهية ومنحة وهي القدرة اللدنية ، بقرينة أنّه لم يذكر لغيره ، وأنّه أردف الإتيان بالسبب ، وأنّ ذا القرنين من الأولياء الحجج كما سيأتي ، وأنّه قد استعملت فيه نفس التعبيرات المستعملة في سليمان .
ثمّ إنّ المراد من السبب في عالمنا - كما يظهر من الروايات وجاء في كلمات الحكماء والمتكلّمين - المعدّ ، لا سيما في عالم المادّة ، لا الفاعل ومعطي الوجود ; فإنّه منحصر به تعالى ، فهو ما منه الوجود وغيره ما به الوجود .
ويترتّب على ذلك أنّ كلّ المعادلات والقوانين في هذا العالم لا ضرورة بتّية فيها بعد أن لم تكن الظواهر من الأسباب سوى معدّات تعدّ القابل وتهيئه لاستقبال الفيض الإلهي ، بل ليس معدّات عالم الطبيعة هي تمام المعدّات ، بل توجد معدّات أخرى ملكوتية فضلاً عن الأسباب الفاعلية ، لا سيما أنّ بعض الأسماء الإلهية تقتضي بعض المعدّات التي لا نعلم بها .
وبه يمكن تفسير جملة من التخلّفات مثل : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ( 4 ) ، ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء . . ) .
والواو فيها استئنافية ، فيكون المفاد أنّه بالإضافة إلى تمكينه - الذي قيد ( في
هامش
( 1 ) سورة ص 38 : 10 .
( 2 ) سورة غافر 40 : 36 .
( 3 ) سورة البقرة 2 : 166 .
( 4 ) سورة الأنبياء 21 : 69 .