حفظ الفارق أيضاً بين تصوير العرفان والدين ، في حين لم يتمكّن الحكماء إلاّ بتقديم كلّيات تؤمن حالة من المعرفة من بعيد لا أكثر .
والمتكلّم اعتمد على الحسن والقبح وفيه حيوية العقل العملي ، ومن ثمّ كان واحداً من امتيازاته .
وبعبارة أخرى : إنّ الفلاسفة وإن قبلوا أنّ الملائكة موجودات حيّة مختارة ، ولكنّهم في الوقت نفسه قالوا بأنّها أسباب تكوينية لا تتخلّف ، مع تركيزهم على هذه الزاوية في عموم كلماتهم ، ومن ثمّ فسّروا الأمر في : ( لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ) ( 1 ) و ( هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) ( 2 ) والأمر بالسجود لآدم ، بأنّها ليست أمراً اصطلاحياً ، وإنّما بالأسباب التكوينية التي لا تتخلّف ، وهي لفتة صحيحة وغير صحيحة بمعنى آخر :
فهي صحيحة : من جهة أنّه ليس هناك أوامر اعتبارية وإنشاءات وشريعة ظاهرة .
وهي غير صحيحة : من جهة أنّها أوامر حقيقية ، فلا مبرّر لتأويلها بالسبب الموهم لانعدام الاختيار وإن كان الفلاسفة لا ينفون الاختيار ، وإنّما هي شريعة كونية في الإرادات الإلهية التكوينية ، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « إنّ حكم الله في أهل السماء والأرض واحد » ( 3 ) ، فهم مختارون حقيقة ، وإمكان المخالفة موجودة وباب التكامل مفتوح ، فقد ورد أنّهم يزدادون بعبادتهم لربّهم علماً .
نعم : المخالفة لا تكون بالمعصية ; فإنّ القرآن صريح في أنّهم لا يعصون ، كما أنّهم لم يتوفّروا على داعي المعصية - كما جاء في الحديث الشهير - وهي الشهوة
هامش
( 1 ) سورة التحريم 66 : 6 .
( 2 ) سورة الأنبياء 21 : 27 .
( 3 ) نهج البلاغة الخطبة القاصعة .