من دون أخذ الأجرة مع جوعهما . فهذه الأمور الثلاثة التي حصلت للخضر كانت قد حصلت له مثيلاتها ممّا يكشف عن موازاة بين ما وقع لكلّ منهما .
وهذا مصداق لما قيل في بحوث المعرفة من أنّ كلّ إنسان في كلّ حادثة تقع له تكون مورداً لأستغرابه قد وقعت له حادثة شبيهة لها من قبل ولم يستغرب منها ; لأنّه كان عارفاً بأسبابها آنذاك ، ولكنّه غفل عنها عند الاستغراب الآن ، بل كلّ ما سيقع للإنسان في مستقبل أيامه وفي البرزخ وعرصات يوم القيامة كلّها يندرج في قوله تعالى : ( هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) ( 1 ) .
وقد ظهرت تفسيرات متعددة لهذه الموازاة :
أوّلها : تفسير أهل المعنى والذوق : أن يُري الله تعالى عباده أنّ سرّ القدرة هو تكرّر ما يجري في السابق على أساس وحكمة .
وثانيها : تفسير المفسّرين : لأجل إعلام موسى أنّ علمه محدود وأنّ الإحاطة الكلّية محجوبة عنه . وهذا التفسير مقبول على شرط أن لا يتنافى مع العصمة .
ولكن كلا التفسيرين ناقصان ، ومن ثمّ نقدّم تفسيراً ثالثاً مقتبساً من القرآن متمّماً لهما وهو :
إنّ هناك تطابقاً بين عالم القضاء والقدر والإرادات التكوينية ، أي بين السنن الكونية الإلهية ، وبين الشريعة بحسب الظاهر ، وأنّهما جميعاً تسعيان لغاية واحدة ولا تتخلّف في الجميع .
ومن ثمّ يفهم قوله تعالى : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ( 2 ) وقوله تعالى : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 25 .
( 2 ) سورة البقرة 2 : 9 .
( 3 ) سورة الأنفال 8 : 30 .