ورتّب على ذلك ما في قوله تعالى : ( لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) ( 1 ) . إذ يتصوّر هؤلاء أنّهم نقضوا إقامة الشريعة الظاهرة بمكرهم ودسائسهم ، فأجابهم القرآن بأنّ عملهم هذا وإن كان رأس فتنة الشرّ ومكرهم تكاد تزول الجبال منه كما هو الحال في شر إبليس ، إلاّ أنّه في مجموع نظام الخلقة يصبّ في تحقيق أغراض الشريعة الظاهرة من دون أن يشعروا ، إذ الإرادات التكوينية تأخذ مجالها نحو غايتها ، وهي في نفسها غاية الشريعة بحسب الدرجتين ، وهذا لا يعني نفي شرّية عملهم ولا نفي شرّية إبليس ولا مشروعيته ، إلاّ أنّ الباري تعالى يوظّفه في منظومة الخير كما هو الحال في العقرب والأفعى والذئب .
وهذا العالم هو عالم القضاء القدر والإرادات التكوينية قد يعبّر عنه بعالم الملائكة كما في لغة القرآن ، وقد يعبّر عنه بعالم العقول والنفوس الكلّية كما في لغة الاصطلاح الفلسفي ، حيث جعل العقل الأخير والعقول التي قبله تعبيراً عن القضاء ، والنفس الكلّية تعبيراً عن لوح القدر ، وقد يعبّر عنه بعالم الأنوار والأرواح والنفوس ، مع مغايرة الثالث للثاني بأنّه أدنى درجة ، كما استقرّ عليه الاصطلاح عند أهل المعرفة ، أخذاً له من الشرع وهو عالم الولاية .
وهذا العالم ذو درجات متسلسلة تكويناً وقد عبّر عنه الفلاسفة بالنظام العليّ والعلمي ونظام الوجوب والعلم ، مع استثناء لوح القدر حيث لا يكون مبرماً .
وقد لوحظ على الحكماء بأنّ فهمهم وإحاطتهم بهذه العوالم محدودة ، ومن ثمّ لم يعكسوا لنا إلاّ صورة نظام جامد يفتقد الحياة ، ومن ثمّ لم يتفاعل الناس معهم كما تفاعل مع الأنبياء والأوصياء ومن بعدهم أهل المعنى ، حيث قدّموا صورة مفعمة بالحياة لتلك العوالم ، وأعطوا صورة عنها بأنّها موجودات حية مختارة ، مع
هامش
( 1 ) سورة فاطر 35 : 43 .