والبشرية كما كان يقوم يوسف ( عليه السلام ) بذلك من حيث لا يعرفونه ، ممّا يدلّل على وجود التدبير الخفي عند الأئمّة ( عليهم السلام ) ، وأنّ هذا التدبير مصيري في بقاء نظام الملّة والدين والأمّة ، فقد روى النعماني بسند قريب من الاعتبار عن سدير الصيرفي ، قال : سمعت أبا عبد الله الصادق ( عليه السلام ) يقول : « إنّ في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف 7 . فقلت : إنّك لتخبرنا بغيبة أو حيرة ؟ فقال : ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك أنّ أخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء أسباط أولاد أنبياء ، دخلوا عليه فكلّموه وخاطبوه وتاجروه وراودوه ، وكانوا أخوته وهو أخوهم لم يعرفوه حتّى عرّفهم نفسه وقال لهم : أنا يوسف ، فعرفوه حينئذ .
فما تنكر هذه الأمّة المتحيّرة أن يكون الله جلّ وعزّ يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجّته عنهم ؟ لقد كان يوسف إليه ملك مصر وكان بينه وبين أبيه مسير ثمانية عشر يوماً ، فلو أراد أن يعلّمه بمكانه لقدر على ذلك ، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر ، فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله يفعل بحجّته ما فعل يوسف ، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقّه صاحب هذا الأمر يتردّد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم ولا يعرفونه حتّى يأذن الله له أن يعرّفهم نفسه ، كما أذن ليوسف حين قال له أخوته : إنّك لآت يوسف ؟ قال : أنا يوسف » ( 1 ) .
ومنها : ما روي في قصّة شقيق البلخي المعروفة مع الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، حيث شاهد منه العجائب فلمّا رأى منه ذلك قال : « إنّ هذا الفتى لمن الأبدال ، لقد تكلّم على سرّي مرّتين » ( 2 ) .
وهذا يدلّل على أنّ مقولة الأبدال والأوتاد حقيقة مسلّمة في أذهان المسلمين ،
هامش
( 1 ) غيبة النعماني : 163 الباب العاشر .
( 2 ) البحار 48 / 80 نقلاً عن كشف الغمّة وعن مطالب السؤل : 83 ط إيران ملحق بتذكرة الخواص .