( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) ( 1 ) ، وهذه هي الحادثة الأولى ، والتي رأى فيها موسى تصرّفاً في ملك الغير وتعريض الآخرين للغرق ، كما يُلاحظ أنّ موسى استخدم تعبير ( إمراً ) أي مستقبح ، بينما في قتل الغلام كما سترى - يستخدم نكراً وهي أشدّ من الأولى ; لشدّة قباحة الفعل ظاهراً .
( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ) ( 2 ) ، وهو قتل الخضر للطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم ، وفي هذا تعدّيان في نظر موسى : أحدهما هو القتل من دون سبب مجوّز له ، والآخر أنّه ما زال صغيراً ولا يؤاخذ بما يفعل فضلاً عمّا لم يأت به .
( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) ( 3 ) ، فالفعل هنا ليس كسابقه ; إذ ليس فيه تعدّي ، بل عمل تبرّعي محض لمصلحة الآخرين ، كما يظهر أنّ إقامة الجدار قام بها الخضر بنفسه من دون موسى ، وأنّه كان دفعياً بنحو التصرّف التكويني لا تدريجياً ، لذا كان اعتراض موسى عليه بعد انتهاء العمل .
( قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) ( 4 ) .
إنّ هذه الآية الكريمة توضّح لنا أنّ للخضر نوع من العلم الذي ليس لدى النبيّ موسى ; وذلك لأنّ العلم النبويّ هو العلم بإرادات الله التشريعية ، وهذا بخلاف العلم اللدني الذي يكون لدى أولياء الله الحجج ، ونحن في نفس الوقت نثبت أنّ كلّ نبيّ من حيث نبوّته قد يكون مطّلعاً على العلم اللدني من بعض جوانبه .
هامش
( 1 ) سورة الكهف 18 : 71 .
( 2 ) سورة الكهف 18 : 74 .
( 3 ) سورة الكهف 18 : 77 .
( 4 ) سورة الكهف 18 : 78 .