وهذه المقولة تؤشّر على أنّ كثيراً من التزاحمات المتصوّرة هي وهم تزاحم لا حقيقة ، ومع تحقّقه فلا طريق إلاّ التعامل مع الملاك بشكل مقطعي ، وهذا ليس إلاّ لفقدان الوسيلة ، لا لاختلاف التزاحم بين الشريعة بحسب درجة تطبيقها في النظام الكوني والظاهرة .
نعم ، لا يحيط غير المعصوم بالإرادات الكلّية حضوراً ، وإنّما هو مختصّ بمن له الهداية في الإراءة ، كما أنّه لا قياس ولا مقارنة بين علم المعصوم بالشريعة الظاهرة وما يتوصّل إليه الفقيه بالظنّ القاصر عن الإحاطة بكلّ الشريعة الظاهرة ، بل القاصر عن الوصول إلى متن الشريعة ، بل من وراء حجاب دلالة الألفاظ مع عدم إحاطته أيضاً بكلّ الدلالة ولا بكلّ تناسباتها ، فمن ثمّ يقع الخطأ حتّى في هذا المقدار المحدود من النزر اليسير ، فضلاً عن عدم إحاطته بتنزّلات الإرادات الكلّية ومنظوماتها .
وبالجملة لا محلّ لقياس الثرى من الثريا والتراب من فلك عالم الإمكان ، وقد روى العياشي عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : « إنّما مثل عليّ ( عليه السلام ) ومثلنا من بعده من هذه الأمّة كمثل موسى ( عليه السلام ) والعالم حين لقيه واستنطقه وسأله الصحبة ، فكان من أمرهما ما اقتصّه الله لنبيّه ( صلى الله عليه وآله ) في كتابه ، وذلك أنّ الله قال لموسى : ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ( 1 ) ، ثمّ قال : ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء ) ( 2 ) ، وقد كان عند العالم علم لم يُكتب لموسى في الألواح وكان موسى يظنّ أن جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته وجميع العلم قد كتب له في الألواح ، كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأمّة إليه وصحّ
هامش
( 1 ) سورة الأعراف 7 : 144 .
( 2 ) سورة الأعراف 7 : 145 .