كما أنّ هذا التواضع ليس من باب الخلق الحسن ، بل هو من باب ما يقتضيه حقيقة العلم الذي يمتلكه الخضر والذي امتاز به عن النبيّ موسى .
الواضح من هذه الآيات أنّ العلم الذي كان لدى الخضر هو من الشريعة الكونية والسنن الإلهية في نظام التكوين ; وذلك لأنّه لو كانت من الظاهرة لعلم بها موسى ، وإنّما سميت شريعة لأنّ فيها أوامر وإرادة إلهية كونية ، وعدم تزويد موسى بها دليل على أنّها خاصّة بالبعض .
والعامّة لجمودهم وابتعادهم عن بيت الوحي والعصمة تراهم وقعوا في حيص وبيص في كيفية تصوير اختلاف العلم الذي لدى الخضر مع العلم الذي لدى نبيّ الله ، وهل هو من سنخ النبوّة أم غير ذلك ؟ وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يذعنوا بالإمامة والعلم اللدني ولم يعترفوا بمقام الولاية الذي يطّلع على المشيئة الإلهية والإرادات الإلهية ، والذي يعرّف الشريعة بحسب السنن الإلهية التكوينية ، وجمدوا على منصّة الشريعة الظاهرة .
( قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) ( 1 ) ، دلالة على أنّ الصبر يتصوّر مع العلم ، وأنّ العلم التشريعي والنبوّة لم يُحيطا إحاطة تامّة ، وأنّه لابدّ أن يزوّد الحجّة بالعلم اللدني والشريعة الكونية وهي الولاية ; إذ لو كانت ظاهرة لما افتقدها موسى ( عليه السلام ) وشريعته عامّة ، وهو وإن كان إماماً أيضاً إلاّ أنّ الإمامة درجات ، وكذلك اختلاف العلم اللدني الذي يزوّد به الإمام .
ويدلّ هذا المقطع على اختصاص الشريعة بحسب الدرجة الواقعية الكونية بالأولياء المصطفين المعصومين ، حيث لم يزوّد بها بتمامها حتّى موسى ( عليه السلام ) فضلاً عن عموم المكلّفين .
هامش
( 1 ) سورة الكهف 18 : 67 .