ومن امتيازات الشريعة في تطبيقها بدرجتها في سنن نظام الكون والعلم اللدني ، أنّ الواجبات والأحكام يمكن تطبيقها في دائرة واسعة زمنية ، أي يقع التزاحم بين الفعلي والمستقبلي حيث يعلم به ، وكذا تشخّص الأهمّية في الملاك بعد ملاحظة تداعياته وما يترتّب عليه . وهذا هو سرّ الفرق بين حكومة المعصوم ( عليه السلام ) وحاكميته بتوسّط ما يتنزّل عليه كلّ عام في ليلة القدر من مقدّرات كلّ شيء ، وبين حكومة غير المعصوم وحاكميته حيث يجهل كلّ ذلك ، بل في حكومة المعصوم يُتفادى ذات التزاحم نفسه ، لما فيه من التفريط ببعض المصالح الشرعية ، بخلاف حكومة غير المعصوم فإنّه لعدم إحاطته بتداعيات الأحداث والحوادث يفرط وينفرط عليه زمام الحفظ للملاكات والحدود الشرعية ، ويقع في سلسة من التفويت للأغراض الشرعية تحت ضغط ظروف التزاحم المفاجئ والتدافع التي تفرض عليه بسبب عدم قدرته على الإحاطة بخفايا الأمور الراهنة والمستقبلية .
وعلى ضوء ذلك تتبلور فظاعة الطغيان والكفر ، كما في مَن أحيا نفساً فقد أحيا الناس جميعاً ، كما ورد عن الصادق ( عليه السلام ) : « ذلك تأويلها الأعظم » ( 1 ) الإحياء بالمعرفة . . وهو قد ينطبق ويلتئم مع تداعيات الفعل في سلسلة ممتدّة ، كما في إعزاء كلّ ذنوب الأمّة إلى الأوّل والثاني .
وهناك مقولة تقول : إنّ الفقه بمعنى الكلمة - مَنْ يتوصّل إلى أغراض الشرع بدون تزاحم ، ومن بعد الدرجة اللاحقة مَنْ يصل إليها بالتزاحم ، ولا تصل النوبة إلى التعارض ، ومن بعد مَنْ يتوصّل إليها بالجمع العرفي ، فالتعارض هو الخيار الأخير لمن يعجز عن الإحاطة بالدرجات السابقة .
هامش
( 1 ) راجع الكافي 2 / 211 .