يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) ، قالت قريش حين أنزل : ( وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) : ما نراك يا محمّد تملك من شيء ، ولقد فُرغ من الأمر ، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم أنّا إن شئنا أحدثنا من أمرنا ما شئنا ، ونُحدث في كلّ رمضان فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم ، وما نعطيهم وما نقسّم لهم ( 1 ) .
أقول : وفي هذه الرواية والروايات التي رويت في ذيل الآية والتي رواها أهل سنّة جماعة الخلافة والسلطان ، دالّة على عقيدة البداء التي هي نوع من النسخ التكويني الواردة في روايات أهل البيت ، كما تدلّ هذه الروايات على أنّ ما في أمّ الكتاب الذي هو أصل القرآن وحقيقته العلوية الغيبية ، متضمّن لكلّ قضاء وقدر ، وليس هو مجرّد ظاهر التنزيل ، وهذه الحقيقة للقرآن لا ينالها إلاّ المعصوم الذي ينزّل عليه الروح في ليلة القدر ، ولا يطمع في نيلها غير المعصوم ; إذ ليس الأمر بالأماني والتمنّي ، هيهات . وما سيأتي ومضى من رواياتهم لا يخفي تضمّنه لمعنى النسخ والبداء .
26 - وروى الطبري في سورة الدخان ، بسنده عن ابن زيد في قوله عزّوجلّ : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) ( 2 ) ، قال : تلك الليلة ليلة القدر ، أنزل الله هذا القرآن من أمّ الكتاب في ليلة القدر ، ثمّ أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام ، وفي غير ليلة القدر ( 3 ) .
أقول : هذه الرواية دالّة على أنّ الذي يتنزّل من أمّ الكتاب الذي هو أصل القرآن وحقيقته الغيبية العلوية ، والذي يتنزّل منه ، ليس ظاهر التنزيل ، بل كلّ المقادير وقضاء الحوادث الكونية وأنّ ذلك التنزّل مستمرّ ليس في خصوص ليلة القدر ،
هامش
( 1 ) جامع البيان في سورة الرعد ذيل قوله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ) .
( 2 ) سورة الدخان 44 : 3 .
( 3 ) جامع البيان 25 / 64 .