تعالى مآلاً ومنتهىً جملة من الشواهد :
منها : إنّ اتّخاذ الوسيلة المأذون بها من قِبله تعالى مقتضاه أنّ مقام الإقبال والارتياد للقرب لا يُطوى إلاّ بالوسيلة ; لأنّ الوسيلة هي ما يُتوسّل به ويُعالج به لبلوغ غاية . فإذاً كان القصد إليه تعالى والتوجّه إليه كمنتهى الغايات يتوقّف على الوسيلة ، مع أنّ الباري تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد من جانبه ، لكنّه ليس قرباً مكانياً كقرب جسم من جسم يستلزم قرب أحد الطرفين قرب الطرف الآخر ، بل قربه تعالى منّا قرب قدرة وهيمنة وقيمومة ، وهو كمال سيطرته وقاهريته على عباده .
وأمّا من طرف العباد ، فمسيرهم إلى شاهق الساحة الربوبية ذو مسافة بعيدة ; لبعدهم وقصورهم عن الكمال المطلق ، فلا يتسنّى لكلّ وارد أن يهتك الحجب . ومنه يظهر أنّ الآية في بيان سنّة إلهية دائمة دائبة في كلّ المخلوقات للتوجّه إلى الحضرة الإلهية .
ومنها : إنّ الآيات وسيلة لمعرفة الربّ عند القلب والعقل ; فإنّ الباري تعالى من عظمته لا يُكتنه ولا يُكتنف ولا يُحاط به ، كما لا يملس ولا يجبه ولا يمسّ ولا يجسّ ; إذ ليس هو بجسم وليس بروح وليس بعقل ، فلا يجسّم ولا يشبّه بأحد من خلقه ، إلاّ أنّ نفي التشبيه بمراتبه لا يستلزم التعطيل ، بل إنّ فعله دالّ عليه ، ولا سيما عظائم خلقه وهي آياته الكبرى ، ومنها يتعرّف العقل ويهتدي إليه تعالى وإلى عظيم صفاته ، كما هو محرّر مبسوط في مباحث المعرفة التوحيدية .
فبين نفي التشبيه ونفي التعطيل إقامة التوحيد ، تتحقّق بدلالة الآيات ، كما أشارت إلى ذلك الصدّيقة الزهراء فاطمة ( عليها السلام ) في مستهل خطبتها ، حيث قالت : « وأحمد الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة ، ونحن
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 155
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص١٥٥