وكما هو الحال في التوجّه في العبادة إلى الكعبة ليتوجّه إلى الباري تعالى ولهذا ابتدأت الآيتان السابقتان بذلك ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ) ( 1 ) و ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ . . ) ( 2 ) ، فالمجئ إلى الحضرة النبويّة أوّلاً هو التوجّه للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أولاً ليطلب لهم من الله تعالى وليحصل لهم التوجّه إليه تعالى مآلاً ، بل إنّ هذه الآية تدلّ على القاعدة الثالثة ، وتقريب دلالتها أنّ التعبير بأبواب السماء وفتحها وهو تعبير عن مسير الوفادة إلى الحضرة الإلهية ، وبيان لمسافة القرب والزلفى إلى الساحة الربوبية ، فهو بيان للاستقبال والتوجّه إلى الحضرة الربانية ، فكما تُستقبل القبلة ويُتوجّه بها إلى الله فكذلك لابدّ في الاستقبال والتوجّه القلبي من التصديق بآياته وحججه والخضوع لطاعتهم والتوجّه بهم إليه في مطلق المقامات القُربية والزلفية ، فيمتنع على المستخفّين بحجج الله والمستهينين بهم الصادّين عن التوجّه إليهم وبهم إلى الله أن تفتح لهم أبواب القرب الإلهي .
كما طُرد إبليس من درجة القرب وحُرمت عليه الرحمة الإلهية ، وأسقط من مقام الزلفى إلى حضيض البعد وهاوية اليأس وقعر الحرمان واللعنة ; لاستكباره على خليفة الله وإباءه عن استقبال آدم في السجود والتوجّه به إلى الله ، فهو بذلك لم يقصّر في آداب العبودية مع الحضرة الربوبية فقط ، بل امتنع عليه الوفود إليه تعالى ، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة : ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) ( 3 ) ، فمن أصول السنن الإلهية في أدب التوجّه واللقاء
هامش
( 1 ) سورة المنافقون 63 : 5 .
( 2 ) سورة النساء 4 : 64 .
( 3 ) سورة الأعراف 7 : 12 - 13 .