فآها ثم آه ، ولا قوة على الصبر إلا بالله ، ماذا لقي المجد ، ساعة ودع أخاه من
برحاء الوجد ، وقد ادرج منه في الكفن ، من كان الروح المدبرة لهذا الزمن ، فيا أعلام
العلم وأقطاب الممالك ، ويا أرباب الأسرة والأرائك ، ويا رؤساء العشائر والقبائل ،
ويا خطباء المنابر والمحافل ، ويا عترة الشرف والأحساب ، وأسرة الكمال والآداب ، ويا
رائدي المعروف ، ومنتجعي الرفد في الزمن العسوف ، هلموا إلى النبأ العظيم والفادح
الجسيم ، الذي جدع مارن الدين ، وقصم ظهر الاسلام والمسلمين ، فطامنوا لهذا الحادث
رؤوسكم ، لقد استلب عزكم وناموسكم ، رزيتم والله بمن جمعت له الرتبة العليا ،
بين رئاسة الدين والدنيا ، قد ترشح لها بين النبوة والإمامة ، واقتعد بها من الشرف
الرفيع غاربه وستامه ، وتوالت في المجد مناقبه الغرر ، فملأت من الدهر السمع والبصر ،
خلدها على جباه الاعصار مسطوره ، وبألسن الثناء في ألسنة المدن والأمصار مروية
ومأثوره ، تتغنى بها الحداة في الفلوات ، وتتناقلها الرواة ، على تعاقب السنين في
جميع الأوقات ، تنبئ عن حضرة سامية القدر رفيعة الرواق ، آهلة الأفنية بكثرة الضيوف
والطراق ، جليلة الشأن والخطر ، جميلة العيان والأثر ، قد جاس رائد صيتها خلال
الأرض ، وفنيت مواقيتها وثمائن يواقيتها في أداء المعروف نافلة وفرض ، فلذكر ربه -
تغمده الله برحمته ورضوانه - النباهة ، ولجاهه - أعلى الله مقامه - الوجاهة ،
ولقدره - طاب ثراه - التنويه ، ولذاته قدس سره التنزيه ، لقد نشر بيد الفخر في
الخافقين أعلامه ، وطوى على المكارم لياليه وأيامه ، ورحل عن الدنيا إلى اللحود ، وكان
لها كاسمه ( جعفر ) فضل وجود ، قد أحبت روحه الطاهرة ، أن تتحول عن هذه الدار إلى
نعيم دار الآخرة ، فانتقل إليها بعد أن شحن الأولى ببره ، وطبق أقطارها بفخره ،
وحمل من رواق مجده ، ودفن في رواق جده ، فصكت له الاشراف الجباه ، عندما نفضت
بأكفها الصبر على ثراه ، ثم انصرف الجميع ، والعلياء خلفهم تقرع سمع بني عبد مناف
بما أنشأته من هذا التقريع :
عودي بطرفك يا قريش كليلا * وبعزمك امتلأت ظباه فلولا ( 886 )
هامش
886 ذكرت في باب المراثي .