ودع كل ذلك وخبرني إن من خلع لباس الحمد ولم يرغب بلبسه ، ولم يكن من أهل ( ومن
يوق شح نفسه ) . بماذا أكمل رفعته ، وأي الافعال صدقه فيما وصف به مجده ونعته ،
وذكرت وأنت الخليق الجدير ، أنك عزمت على بدائع فكرتي أن أقلدها ذا شرف خطير ، فقل
لي أية غيرة عليها لمن أنزلها منه في جانب الاهمال ، وأغفلها وهي من اللواتي تأنف
أن تعد في الاغفال ، تحقيقا لما أقره في ذهنك الجهلة الجفاة ، وتصديقا لمن لا
تصدق فيهم الأمهات :
أخلاقك الغر الصفايا مالها * حملت قذى الواشين وهي سلاف
والإفك في مرآة رأيك ماله * يخفي وأنت الجوهر الشفاف
ولا ملامة عليك ، وإن توجه اللوم كله إليك ، إذ لا يستطيع أن يحول طباعه ، من فتح
لأفواه المنافقين اذنا سماعة ، قد استخفك رهط ما هم بأبر قط ، ممن أنزل فيهم ( وكان
في المدينة تسعة رهط ) . ما أنت لهم بقدوة ، وغيرك لحج أفئدتهم بالحب مشعر ومروة ،
ينزهونك من الريب ، ويثلبونك بظهر الغيب ، يبرز أحدهم مشتملا بلباس التقوى ، وهو قد
بلغ من خبث السريرة غايتها القصوى :
كم تقي للخلق يظهر نسكا * ولباري النفوس في السر عاصي
فهو في نسكه تراه أبا ذر * وعند التحقيق فابن العاص
قد نصبوك فخا لاختيال صيدهم ، واتخذوك سلما يعرجون عليك إلى اغتيال من أرادوه
بكيدهم ، وأنت ولا أريد أن أنسب إليك رذيلة ، قد جرت عادتك ولا أقول إنها غير جميلة ،
إنك تنيل من نال منك ، وتميل إلى من مال عنك ، المرائي أسعد عندك حظا ، ممن محض لك
الصدق في المودة محضا ، كم مالت نفسك لا لذي سناء ، ميل الناقة من شرهة إلى تناول
الغذاء ، ثم تابعت له الشهادة ، أنه كادت ( 911 ) تئني مثلك له الوسادة ، حتى حصل له
بشهادتك من التنويه ، ما لم يحصل من قبله لزياد بن أبيه ، وحتى خلنا أنك عازم على
استلحقاه ، رغبة فيه لما ثبت عندك من غزارة علمه وشرف أعراقه ، ثم قلنا إن سيدنا
الأكيس ، هو وهذا الورع المقدس ، لو لم يكونا في النبل رضيعي لبان ، وفي حلبات الفضل
شريكي عنان ، لما نفي عنه هذه الاسترابة ، ثم أنابه منابة ، فرويدا أيها المشتمل ، ما
هكذا تورد الإبل ، قد كان لكم قبل هذا عذر لكم ، انكم دعوتم الناس لأمر لكم عله
ونهله ، فأي عذر لكم اليوم في دعائكم لأمر إن تم اعتزلكم كله ، فحوشيت أبا
الهادي وعز علينا أن نرى منك بعض الخفة والطيش ، في الاكثار من الحث على تأمير هذا
الفاضل على من لك قبلنا من الجيش ، فاطرح لجاجك ، فقد رجع بنا الاذعان إلى
الاقتداء بهذا الأوحد الذي نهج منهاجك ، ونهنه من بادرة جهل ابن أخيك ، فذلك أليق
وأحرى من جلب الوقيعة فيه وفيك ، فلقد ثبت عندنا أن من بالغتما بتأييده ، وشد
أزره وتشييده ، هو العالم الرباني ، بل فرد الفضل الذي لولا من لا تصرح به
لحلفنا أنه ليس له ثاني ، إذ لو لم يكن عن ( 912 ) سيدنا أخذ وعلى قوله اعتمد ، وإلى
رأيه في جميع الأمور قد استند ، حتى صار من أهل الكشف والاستقامة ، الذين تتنزل عليهم
الملائكة بالاسرار لما نص عليه رب الفضل بالإمامة ، فيا أيها الرئيس الاجل ، سبق
السيف العذل ، والبث قليلا يلحق الهيجا حمل ( 913 ) ، فلقد أطلق غربه لساني ، وحلف أن
لا يكفكف من جري أدهم القلم بناني ، حتى يأخذ غرار يراعتي مأخذه ، وحتى ينفذ غرب
براعتي منفذه ، والبادي أظلم ، وسيعلم أينا الذي يقرع سن الندم :
ما المجد إلا ما بناه لساني * لا ما تزحزحه من البنيان
وحلي جيد الفضل نظم فرائدي * لا ما تنظم من فريد جمان
يا فاخرا لا في ملابس مدحتي * هذي ثياب الفخر لا ثوبان
ومطاولا لا في صلات قصائدي * هن المكارم هن لا قعبان
ولقد صدقت فقلت أية حكمة * لما نطقت جرت بأي لسان
من لم تصدقه الفعال فمدحه * ضرب من التخليط والهذيان
هامش
911 في المخطوط : كانت .
912 في المطبوع : من سيدنا .
913 الأمثال لا تغير ونصه : لبث قليلا .