الفصل الثاني في الرثاء
15 - قال رحمه الله وقد التمسه السيد ميرزا صالح القزويني أن يعمل مقدمة لكتاب
( الأشجان في مراثي خير إنسان ) :
قامت على الدنيا نواعيها * إذ نعيت نفس العلى فيها
والأرض قد مادت بمن فوقها * واهتز قاصيها ودانيها
زلزلها فقدان من لم تنب * عن حمله فيها رواسيها
واستغرق الأقطار منها البكا * وأظلمت حزنا نواحيها
إلى الورى أنعى حياة الورى * فلتبك ما درت مآقيها
بلى ومن تركها غرقى بالمدامع ، لا ترقى غروبها ما ناحت على فروعها السواجع ، فلقد
طرقها بغتة طارق القدر ، فنزل العمى من عيونها منزل البصر ، بساعة كأنما وردت
بزلزلة الساعة وأهوال يوم الوعيد ، فغادرت الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن ألم
المصاب شديد ، قد أقبل فيها على المجد ، ثم وقف واستوجد ، واستعظم حالها وأنشد :
ما للورى دهشت أقام المحشر * أم قد دهى الثقلين خطب أكبر ؟
أجل أيها المستفظع لهذا الحال ، المتمثل بهذا المقال ، اقترب للناس حسابهم قبل يوم
القيامة ، فأدمت أكفهم الأنياب قبل يوم الحسرة والندامة ، وعطوا الأكباد ، قبل
الجيوب والابراد ، ونضحوا القلوب ، قبل الأجفان والغروب ، ومثلوا متماسكين من الوجوم ،
متهافتين على جمرة الأحزان وجذوة الهموم :
فمن واقف في جفنه الدمع واقف * ومن سائل في خده الدمع سائل
لغداة بكر فيها بنفوس جائشة ، وعقول من الدهشة طائشة ، بين ذاهب ولا يفطن أين
يتوجه ، وآت لا يأتي بشئ سوى أن يتزفر أو يتأوه ، وحران لا حيلة له غير عض
اليدين ، وحيران لا يملك إلا استدارة العينين ، فإذا سأل سائل ، أو قال لمن بجنبه
قائل : هل أتاك حديث الغاشية ، ولمن قامت رنة تلك الواعية ، وأولئك عم يتساءلون ،
وعلى من عدت العاديات ، وماذا نزعت النازعات ، عبس وتولى ، ثم التفت إليه وقال : افض
غروب ( 884 ) عينيك سجلا فسجلا ، فلقد دك طود الحلم ، وهوى نجم الهداية والعلم ،
ونزع من كف المعروف بنانها ، واستل من عين العلياء إنسانها ، وذوت من المكارم
رياضها الخضر ، وتسلبت شجرات المعروف من ورقها النضر ، ونقل إلى الأجداث قبلة
الشكر والحمد ، ومصلى العفاة والوفد ، وحمل ( ابن جلا ) إلى عرصة البلى :
ولفقده هذي النوائح جاوبت * فوق السماء نوائح الأملاك
ملك على الأفلاك علياه سمت * فالسمك منها ثامن الأفلاك
هامش
884 وفي المطبوع : دموع .