شرح
صالحة للاستدلال .
وهذا الإجمال المذكور بالنسبة إلى هذه الروايات يأتي نظيره بالنسبة إلى الروايات المحددة له بقلتين أمثال ما رواه غير واحد من المحدثين كالترمذي والنسائي وأبي داود ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) . وهو الذي اختاره الشافعي ومن تبعه . وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق : لضعفه ينجس . ورجح الجلال - في شرح بديعته - مذهبه ، وكأنه قد استعمل فيما سماه الأصوليون بقلب الدليل أي إرادة العكس .
ومعنى الحديث - على هذا - أن الماء إذا بلغ مقدار قلتين فلا يتحمل الخبث - حينئذ - بل الخبث يؤثر فيه وينجسه . وكأن أبا حنيفة إنما اضطر إلى الخروج على ظاهر الحديث ، لكون مذهبه في الكر لا يتلائم معه ، لأن الكر عنده - حسبما ينقل عنه صاحب كتاب الرحمة المطبوع على هامش الميزان - هو الذي إذا حرك أحد جانبيه لم يتحرك الآخر .
وقد ناقش كل من صاحب النهاية والمصباح هذا الوجه في تفسير الحديث .
والمتحصل من ردهما وجهان : ( أحدهما ) - أن حديث القلتين مشتمل - في رواية أخرى - على لفظ ( لم ينجس ) بدل قوله - ص - : ( لم يحمل ) ومع هذا التعبير لا يتم التأويل الذي ذكره . و ( ثانيهما ) - أن بعض روايات ( لم يحمل ) واردة على الكر لا على القلتين ، فلا بد أن يكون المراد من عدم الحمل هو عدم النجاسة لا النجاسة .
ثم لا يخفى أنه لا يصح تحديد ما يتنجس بالقلتين ، لأنه لا يتم ذلك إلا إذا كان آخر ما يتنجس هو القلتين ، بمعنى أنه لو زاد على القلتين لا يتنجس ، وهو على خلاف فتواه ، لأن ما لا يتنجس عنده أكثر من ذلك بكثير .
وعلى أي فهذه الروايات وأمثالها لا يمكن الاعتماد عليها ، لا لما ذكر أبو حنيفة بل لإجمالها ، لأن القلة غير محدودة في لسان اللغويين ، قال في القاموس : القلة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء والجماعة منا والحب العظيم والجرة العظيمة