هي مقتضية مع إمكان المانع ، فدلالتها على وجود المقتضي قابلة للتعبّد . لكن حيث إنّ نفس الاجتناب أيضا جعل أمارة على العدالة ، فالصحيح ما مرّ مرارا من أنّ العدالة هي الاستقامة العملية على جادة الشريعة ، فكما يصح أن تجعل الملكة المزبورة طريقا إليها من باب طريقية المقتضي إلى مقتضاه ، كذلك يمكن أن يجعل الاجتناب وهو عدم الانحراف الملازم للاستقامة طريقا إليها من باب طريقية أحد المتلازمين إلى الآخر . وعلى هذا فالوجه في تكثير الطرق والأمارات تسهيل الأمر على المكلفين ، فالملكة والاجتناب طريقان للمعاشر مع الشخص ، وستره للعيوب وعدم فعل الكبيرة علنا طريق لغير المخالط معه سرّا وجهرا . فتحقق من جميع ما ذكرنا أنّ العدالة هي الاستقامة العملية بترك الكبائر وفعلها هو الانحراف المضاد للاستقامة ، وأنّ الصحيحة سواء كانت العفّة من الملكات أم لا ، وسواء كان المعرف من قبيل المعرف المنطقي أو الأصولي ، ليست دليلا على اعتبار الملكة النفسانيّة في حقيقة العدالة الشرعية ، وأنّه يكفي في ذلك انبعاث الاجتناب عن محض خوف الشخص مما يترتب على فعل الكبيرة ، بل لو فرض اجتناب جميع الكبائر لا للخوف من العقاب بل لغرض آخر لا ينافي مع اجتنابه عن الكبائر جميعا أمكن القول بأنّه عدالة شرعية ، ويشهد له ما ورد من أنّ « من ترك شرب الخمر لغير اللَّه تعالى سقاه اللَّه من الرحيق المختوم » فقال الراوي : وكيف يتركه لغير اللَّه ؟ قال عليه السلام : « صيانة لنفسه » ( 1 ) وبالجملة : الملاك كله اجتناب الكبائر جميعا بأي وجه اتفق . نعم الأنسب ما ذكرنا من جعل قوله عليه السلام : « أن يعرفوه بالستر والعفاف » وقوله عليه السلام : « وتعرف باجتناب الكبائر » من قبيل المعرف
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 88
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٨٨
هامش
( 1 ) الوسائل : ج 17 ، باب 14 من أبواب الأشربة المحرّمة ، ح 4 .