فهو مناف للصحيحة من وجهين : أحدهما تفسيره عليه السلام للكبائر التي جعل الاجتناب عنها معرّفا بشرب الخمر والزنا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ، فإنّ شيئا من ذلك غير متمحّض في الظهور حتى الأخير . ثانيهما قوله عليه السلام « والدليل على ذلك كلَّه أن يكون ساترا لعيوبه » فإنّه بناء على ما أفاده ( قدّس سرّه ) من عدم ارتكاب الكبائر الظاهرة في تفسير الاجتناب المعرّف يتّحد مفاده مع هذه الفقرة فلا موجب لإعادته ، مضافا إلى أنّ ظاهر قوله عليه السلام : « ويعرف » كقوله عليه السلام « بأن يعرفوه » على نسق واحد ، فأمّا أن يكونا من قبيل المعرّف المنطقي أو الأصولي فحمل قوله عليه السلام : « بأن يعرفوه » على المنطقي ، من باب تعريف المعلول بعلَّته ، وحمل قوله عليه السلام : « ويعرف » على الأصولي ، ولذا جعله طريقا ظاهريا إلى العدالة الواقعية ، تفكيك ركيك . هذا كلَّه بناء على جعل ملكة التعفّف عن جميع القبائح معرفا منطقيا للعدالة . وأمّا لو جعلت معرفا أصوليا ، أي طريقا شرعيا إلى وجود العدالة ، فأمّا أن تكون العدالة عين ملكة التعفّف ، فكونها أمارة على نفسها غير معقول ، وأمّا أن تكون ملكة أخرى فقد عرفت سابقا أنّ ملكة التعفّف عن جميع القبائح - على فرض تسليمها - مغنية عن فرض ملكة أخرى تسمّى بالعدالة ، والعدالة الأخلاقية وإن كانت غيرها بل هي المنشأ لترك جميع القبائح ، لمكان اعتدال جميع القوى وخلو النّفس من جميع الرذائل الداعية إلى ارتكاب القبائح ، إلَّا أنّها غير لازمة في تحقق العدالة الشرعية .
ومما ذكر ظهر أنّ العدالة ليست هي الاجتناب عن ملكة التعفّف ، لأنّ ملكة التعفّف كما لا يمكن أن تكون أمارة على نفسها مستقلا كذلك على نفسها ضمنا ، فلا مناص من جعلها أمارة على اجتناب الكبائر من باب جعل المقتضي أمارة على وجود المقتضي ، فإنّ ما لا يحتاج إلى تعبّد شرعي ويكون واضحا عرفا كون الملكة المؤثرة بالفعل في الاجتناب دليلا عليه ، لا الملكة بما
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 87
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٨٧