ثمّ إنّه لو التزمنا بما أفاده ( قدّس سرّه ) من أنّ العفاف صفة نفسانية ، ومعناه ملكة التعفف عن جميع القبائح لما كانت الصحيحة دليلا على أنّ العدالة متقومة بالملكة ، وذلك لأنّ العفاف المعرّف للعدالة ، إمّا هو عينها ، أو جزؤها المقوّم لها ، بمعنى أن تكون العدالة هي الاجتناب المنبعث عن ملكة التعفف ، أو لازمها ، أو ملزومها ، لا سبيل إلى الأول ، ضرورة أنّ مرتكب الكبيرة فاسق وإن كان ذا ملكة التعفف ، والثاني وإن كان مفيدا ولو بانضمام الكفّ الفعلي إلى ملكة التعفف ، لئلا يقال إنّ العفاف غير مقيّد بالاجتناب الفعلي ، إلَّا أنّه مع ذلك لا يكون دليلا على اعتبار الملكة المطلقة في العدالة الشرعية ، توضيحه : إنّ الحد تارة هو مبدأ البرهان ، وأخرى نتيجة البرهان ، وثالثة هو تمام البرهان ، كتعريف الغضب بإرادة الانتقام على الأول ، وبغليان دم القلب على الثاني ، وبغليان دم القلب لإرادة الانتقام على الثالث ، فإذا عرّفت العدالة بمجرد ملكة العفاف كما في المعرّف الأول كان من باب مبدأ البرهان ، لأنّه تعريف للمعلول بعلَّته ، وإذا كان التعريف بمجموع المعرّفين بأن كان الثاني متمّما للأوّل ، كان حدّا هو تمام البرهان ، لاشتماله على العلَّة والمعلول ، وإذا كان كلّ منهما معرفا مستقلا كان الأوّل - كما مرّ - حدّا هو مبدأ البرهان ، والثاني حدّا هو نتيجة البرهان ، لأنّ معلول تلك الملكة هو الاجتناب عن الكبائر ، فكون التعريفين معرّفين منطقيين لا مانع منه على أي حال . نعم على أي حال لا دلالة للصحيحة على اعتبار الملكة المطلقة ، لأنّ ملكة العفاف لا تناسب ترك جميع الكبائر ، والملكة المطلقة لا دخل لها بملكة العفاف فقط إلَّا بانضمام فضائل سائر القوى وهي العدالة الأخلاقية . مضافا إلى أنّ تعريف العدالة بملكة العفاف يقتضي خروج العلَّة عن ماهية المعلول .
ومنه علم أنّ كون ملكة العفاف ملزوما للعدالة وعلَّة لها ، إمّا غير صحيح ، لعدم معقولية استناد اجتناب جميع الكبائر إلى خصوص ملكة العفّة التي هي
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 85
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٨٥