فضيلة القوة البهيمية ، وإمّا غير سديد إذا أريد منه ملكة التعفّف عن جميع الكبائر ، إذ لا أثر لهذه الملكة المطلقة في النّفس إلَّا إذا أرجعت إلى العدالة الأخلاقية التي لا تعتبر في الآثار المترتبة عليها شرعا .
وأمّا كون ملكة العفاف لازما للعدالة فهو أيضا غير سديد ، فإنّ العدالة الأخلاقية وإن كانت تستلزم ملكة العفّة ، إلَّا أنّ العدالة الأخلاقية غير معتبرة شرعا ، وكونها لازما للاجتناب عن جميع الكبائر لحصول الملكات غالبا بمزاولة الأعمال المناسبة لها ، إلَّا أنّ الملكة حينئذ معرّفة للاجتناب في ذلك الزمان لا الاجتناب في كلّ زمان ، فتدبّر جيدا .
فإن قلت : كون الاجتناب عين العدالة ، وكون الاستدلال من باب اللمّ ينافي قوله عليه السلام : « وتعرف باجتناب الكبائر » لأنّ الشيء لا يكون معرّفا لنفسه .
قلت : قد مرّ سابقا أنّ المراد من كون العدالة متحقّقة باجتناب الكبائر أنّها استقامة عملية لا أنّها عين الاجتناب ، فتعريف الاستقامة العملية بعدم الانحراف عن الجادة وهو حقيقة اجتناب الكبائر ، ليس من باب تعريف الشيء بنفسه ، مع أنّ التغاير اللازم في الحدّ التام بنحو الإجمال والتفصيل متحقق هنا ، لأنّ الاجتناب كالجنس ، وتقيّده بخصوص المعاصي وخصوص كبائرها كالفصل ، كما أنّ العدالة إن كانت بمعنى الملكة الخاصة كانت مغايرة بهذا النحو مع ملكة العفاف المنضمّ إلى الكف الفعلي ، فلا تغفل .
وأمّا ما عن شيخنا المحقق الأنصاري ( برّد اللَّه مضجعه ) - من أنّ المراد بالاجتناب المعرّف للعدالة هو الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته ومخالطته عن المعاصي التي تظهر للناس ، مثل قتل المسلم والإهانة بالمؤمنين وشتمهم ، وقد جعله الشارع طريقا للحكم عليه بأنّه مجتنب في الواقع عن المعاصي الخفيّة ، مثل الإفطار في الخلوات ونكاح الحائض والسرقة عند الفرصة وبغض المؤمنين -
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 86
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٨٦