مع أنّه ( قدّس سرّه ) ذكر أوّلا أنّ المراد بالستر صفته ، وهي صفة العفاف دون الستر الفعلي المدلول عليه بقوله عليه السلام : « والدليل على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه . إلخ » لئلا يلزم اتحاد الدليل والمدلول ، ومقابل التبرّج وهو التظاهر بما يقبح ويستهجن شرعا أو عرفا هو الستر الفعلي دون صفته المرادفة لصفة العفّة ، وليس مقابل صفة العفّة إلَّا صفة أخرى تعدّ من الرذائل النفسانيّة ، فبين الكلامين تهافت واضح ، مضافا إلى أنّه ( قدّس سرّه ) التزم أوّلا بأنّ المراد بالستر هو ستر العيوب الشرعية لا مطلقا ، فلا وجه لجعله هنا أعم بملاحظة ما ذكره بعض المحققين في تفسير التبرّج من أنّه التظاهر بما يقبح ويستهجن عند الشرع والعرف ، مع أنّ مراد المحقق المفسر مما يستهجن عند العرف ما يستهجن عندهم بما هم عقلاء ، لا لمجرد جري العادة على شيء بحسب الأعصار والأمصار ، كما لا يخفى على الخبير بطريقته ، وأنّه في مقام بيان فضائل الأخلاق وتوابعها ، ورذائل الأخلاق ولوازمها بما هي كمالات للنفس الناطقة ونقائص لها ، فالعادات العرفية غير المبتنية على أصول شرعية أو عقلية أجنبية عن المقام ، مع أنّ ما عدّ من المنافيات للمروّة كالأكل في السوق لغير السوقي ، وكشف الرّأس في المجالس ، ومدّ الرّجل بين الناس ، وأشباه ذلك ، لا تكون بما هي كاشفة عن عدم المبالاة أو عن عدم الحياء بلحاظ نفسها ، بل الكاشف هو التظاهر بها فلو أكل في السوق مستخفيا ، أو كشف الرّأس بحيث لا يلتفت إليه أحد ، لم يكن هناك ما يكشف عن عدم حيائه وقلة مبالاته ، فمورد التبرّج المقابل للستر هو التظاهر بما يقبح شرعا أو عقلا ، فالمتظاهر به مذموم والتظاهر به مذموم أيضا ، كما أنّ فعله متستّرا وإن كان مذموما أيضا إلَّا أنّه غير متضمن للتبرّج الذي هو مذموم ، فهو من هذه الجهة ممدوح لكشفه عن مقدار من الحياء وعدم كونه في مقام هتك حرمة المولى ، والكلام هنا في التظاهر الذي هو بنفسه مستهجن عند العرف فلا دخل له بالتبرّج على التفسير المذكور . وأمّا ما ذكره
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 91
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٩١