تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
المنطقي للاستقامة المطلقة ، وجعل قوله عليه السلام : « والدليل على ذلك كله . إلخ » من قبيل المعرف الأصولي ، لأنّ جعل العفّة إذا كانت ملكة أمارة تعبدية معقول كما ذكرنا ، لكن جعل اجتناب الكبائر أمارة تعبّدية غير صحيح ، لأنّ عدم الانحراف واقعا ملازم حقيقة للاستقامة الواقعية لا مجال للانفكاك بينهما حتى يمكن إعمال التعبّد فيه بجعله أمارة شرعية ، فتدبّر في أطراف ما ذكرنا من الكلام فإنّه مزالّ أقدام الأعلام . وينبغي التنبيه على أمور الأوّل : المعروف بين المتأخرين اعتبار المروّة في حقيقة العدالة . وتحقيق الحال فيها أنّ المروّة لغة مروءة من المرء قلبت الهمزة واوا وأدغم أحد الواوين في الآخر ، وحيث إنّ مادة المرء تطلق على الذّكر والأنثى كالمرء والمرأة فليس معنى المروّة الرجولية أو كما لها بل الإنسانية وما يقاربها ، فتفسيرها بالإنسانية أولى من تفسيرها بالرجولية والكمال فيها كما حكي عن الصحاح ، والمراد من الإنسانية هنا أنّ الحيوان بما هو حيوان بهيمي أو سبعي يقتضي أمورا لا يقتضيها الإنسان بما هو إنسان ، فإنّ الإنسان إذا وافق قوته البهيمية بالشره ونحوه كان بهيمة بحسب المعنى ، كما أنّه إذا وافق قوته الغضبية كان سبعا لا إنسانا بما هو إنسان ، فالإنسانية المحضة تقتضي الاعتدال في القوة الشهوية بالعفّة ، وفي القوة الغضبية بالشجاعة ، وفي المدركة بالعلم والحكمة ، وفي مقام النّفس الناطقة بالعدالة ، ولذا جعل ركوب المروّة في الخارج من فضائل العدالة الأخلاقية في فنّ الأخلاق . ومنه تبيّن أنّه لا اختصاص للمروّة بالعفّة التي هي فضيلة القوّة البهيميّة ، كما تبيّن أنّ ركوب المروّة بهذا المعنى من فضائل النّفس والإتيان بما ينافيها منبعث عن رذيلة نفسانية ، وقد مر مرارا أنّ العدالة الأخلاقية غير العدالة الشرعية . وأمّا ما يستهجن في العادات بحسب الأشخاص والأعصار والأمصار ،