والظاهر من هذه الأوصاف إذا أطلقت على شيء كون الصدق والإطلاق بلحاظ الاقتضاء ، كما في قولنا : النار محرقة ، والشمس مشرقة ، والسناء مسهل ، والسمّ قاتل ، إلى غير ذلك من الإطلاقات . ثمّ إنّ الصحيحة المتقدّمة ( 1 ) قد اشتملت ، أوّلا على تعريف العدالة بالستر والعفاف وكفّ الجوارح الأربع ، وثانيا على قوله عليه السلام : « وتعرف باجتناب الكبائر . إلخ » وثالثا على قوله عليه السلام : « والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه . إلخ » ، وقد اختلف في كون التعاريف الثلاثة تعريفا منطقيا ، أو من باب المعرّف الجعلي الأصولي ، أو كون الوسط متمما للمعرّف الأول ، أو معرّفا للمعرّف الأوّل . وقد أشكل على كل شق ببعض الإشكالات المذكورة في كلام الشيخ العلَّامة ( قدّس سرّه ) في رسالة العدالة ( 2 ) . والتحقيق أنّ العدالة الشرعية هي الاستقامة المطلقة العملية على جادة الشرع ، ولازم الاستقامة على الجادة اختيارا أمران ، أحدهما : عدم الانحراف ذات اليمين وذات الشمال ، وثانيهما : الكف عن الانحراف والتحفظ والصون عنه ، نظرا إلى أنّ المراد من الاجتناب ليس هو الترك ولو لعدم الابتلاء أو عدم الداعي ، بل الترك مع وجود الداعي بمدافعة الهوى ، وترجيح جانب الفعل على الترك في الواجبات ، وترجيح جانب الترك على الفعل في المحرمات ، فيكون حافظا لنفسه عن الوقوع في المعصية بترجيحه المزبور ، فالصون والحفظ والعفاف عنوان توليدي من ترجيح جانب الفعل على الترك والعكس ، لا عنوان منتزع من نفس الفعل أو الترك ، ولهذه الجهة نقول : إنّ هذه العناوين متقدمة طبعا
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 82
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٨٢
هامش
( 1 ) الوسائل : ج 18 ، باب 41 من أبواب الشهادات ، ح 1 .
( 2 ) رسالة العدالة المطبوعة في آخر كتاب المكاسب ، ص 327 - 328 .