تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
والذي يمكن أن يقال هو أنّ ترك الكبائر أجمع معلول لأحد أمرين ، إمّا وجود فضائل نفسانية مضادّة للرذائل النفسيّة المقتضية لفعل ما يناسبها ، وهي العدالة الأخلاقية التي يمكن دعوى القطع بعدم اعتبارها في مقام ترتيب الآثار شرعا ، وإمّا الخوف مما يترتب على فعل تلك الكبائر ولو لم يكن الخائف ذا فضيلة من فضائل النّفس أصلا ، وليس هذا المعنى من الخوف هي الخشية من اللَّه جلّ جلاله استشعارا بعظمته وهيبته وجلاله وكبريائه ، فإنّ هذه الخشية أجنبية عن مقام فعل كبيرة أو صغيرة ، ولا توجد إلَّا في الأوحدي ، كما أنّ الاستحياء من اللَّه تعالى وإن أمكن أن يكون داعيا إلَّا أنّه مقام منيع لا ترتبط به العدالة الشرعية ، وأمّا الحياء من الناس فهو إنّما يجدي داعيا في المعاصي الظاهرة لا الخفية ، فالداعي العام ليس إلَّا الخوف من العقاب ، ولا دليل على اعتبار أزيد منه في اجتناب الكبائر ، إذ لو كان ترك الكبائر لغير هذه الجهة فلا محالة يكون الترك لكبيرة أو رذيلة من تدليس أو رياء أو سمعة أو طلب الجاه ونحو ذلك ، وأمّا ترك الكبائر جميعا واقعا فلا يكون في غير الكامل إلَّا لأجل هذا الخوف الراسخ الذي بسبب رسوخه يطلق عليه الملكة ، وبهذا يمكن الجمع بين قول من يقول باعتبار الملكة ومن يقول بكفاية ترك الكبائر ، فإنّ ترك الكبائر جميعا واقعا ملازم للخوف الراسخ ، وإلَّا لم يكن ترك الكبائر أجمع ، فلا حاجة بعد الالتزام بترك الكبائر جميعا باعتبار ملكة من الملكات ، وصدق العدالة بمعنى الاستقامة بلحاظ استقامته على جادّة الشرع فعلا وتركا ، لا باعتبار الخوف ، فإنّه لا معنى لاعتبار الاستقامة فيه ، فالاستقامة في الأفعال والتروك كالاستقامة في باب العدالة الأخلاقية من حيث تعديل القوى الثلاث ، فصحّ أن يقال إنّ العدالة الشرعيّة هي الاستقامة العملية . لا يقال : ترك الكبائر أجمع لو كان مناط العدالة الشرعية وأنّ الخوف لمجرّد الملازمة ، فلا بدّ من القول بصدقها على من لم يرتكب كبيرة لعدم الداعي أو