لعدم الابتلاء ونحوه .
لأنّا نقول : أوّلا : إذا كان عنوان الدليل هو اجتناب الكبائر أو صون الجوارح عنها فربما يستظهر كون الترك عن مدافعة للهوي وكون الشخص الذي يجتنب من شأنه أن يرتكب لوجود القوّة والابتلاء بالكبيرة ، وأمّا مع عدمهما فلا يصدق عرفا أنّه مجتنب ومتجنّب وصائن ونحوها .
وثانيا : أنّ مناط الاستقامة على جادة الشرع وعدم الانحراف عنها هو عدم ارتكاب الكبائر سواء كان بعدم المقتضي أم بعدم الابتلاء أم بالخوف المانع عن تأثير الهوى .
وأمّا ما يقال من أنّه لولا ملكة الخوف ونحوها لا يوثق بأنّه لا يرتكب كبيرة ، فمن ترك لعدم الابتلاء لا وثوق بأنّه لا يرتكب عند الابتلاء إلَّا إذا أحرز أنّه ذو ملكة باعثة على ترك الكبائر فيما سيأتي كما فيما مضى ، فالجواب عنه : انّ عدم الوثوق بأنّه لا يرتكب ليس منافيا لعدالته بالفعل ، بل يوجب عدم الوثوق ببقاء عدالته ، كما إذا لم يثق ببقاء ملكته فيما بعد مع القطع بوجودها فعلا . مضافا إلى أنّ القائل بالملكة يجعل العدالة هي الملكة الباعثة بالفعل لا المقتضية للبعث ، وإلَّا للزم كون صاحبها عادلا مع صدور الكبيرة ، حيث إنّ تخلَّف المقتضى عن المقتضي لا يوجب زوال المقتضي ، بل عدم فعلية التأثير ، فكما لا يعتبر على الملكة إلَّا إحراز الملكة الباعثة بالفعل ، كذلك لا يعتبر على القول بأنها نفس عدم ارتكاب الكبائر إلَّا إحراز عدمه بالفعل وهو على الفرض حاصل .
نعم الإنصاف ما ذكرناه أوّلا من أنّ مناط الاستقامة العملية ترك الكبائر ممن له الابتلاء بها والداعي طبعا إليها ، فإنّ الاستقامة على الجادة من أوصاف السالك فيها ، فان السالك هو الذي يوصف بالاستقامة تارة وبضدها وهو الانحراف أخرى ، وأمّا غير السالك فلا هو مستقيم ولا منحرف ، فلا بعد في أن
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 80
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٨٠