وأمّا إذا كان لازما عقلا فمورد الإشكال ، لأنّ إجراء الاحتياط كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى ، وإن كان تقليديا لما عرفت كليّة سابقا في الأصول العقليّة من أنّ العامي - حيث لا خبرة له بحقائقها وتطبيقها على مصاديقها وتعيين مواردها ، لإمكان تصرّف الشارع فيها نفيا وإثباتا - لا مناص له من الرجوع إلى المجتهد ، إلَّا أنّ ذلك لا يقتضي جعل حكم مماثل على طبق الاحتياط حتى يتعبّد به العامي ، ليكون نفس العمل الاحتياطي موردا للتقليد ، لئلا يصحّ العدول عنه .
بل غاية الأمر أن المجتهد يرى أن الشارع لم يتصرف في المورد بنفي ولا إثبات ، فيتمحّض المورد للاحتياط اللازم عقلا ، والالتزام بهذا الرّأي لا يمنع عن العدول ، ولذا ترى أنّ أرباب الفتوى يجوّزون الرجوع إلى غيرهم في موارد الاحتياطات اللازمة من دون تفصيل بين العمل على طبق هذا الاحتياط اللازم بنظرهم برهة من الزمان وعدمه .
لا يقال : وإن لم تكن هذه الصورة من موارد العدول من حيث نفس العمل الاحتياطي ، لكنه من حيث الالتزام الذي بلحاظه كان تقليديا تكون من موارده ، فبعد الالتزام بعدم تعبّد من الشارع في مرحلة الظاهر على خلاف ما يقتضيه الاحتياط ، لا يصح له الالتزام بتعبّد منه كذلك بحسب رأي من يفتي بخلاف الاحتياط اللازم في نفسه .
لأنّا نقول : ليس لهذا الالتزام أثر عملي حتى يجب من باب المقدّمة كما في غير مورد الاحتياط ، حيث إنّ العمل لو لم يكن عن استناد إلى رأي المجتهد لا يكون مبرئا للذمّة ، بخلاف ما نحن فيه ، حيث إنّ العمل احتياط لا حاجة في كونه مبرئا إلى التزام واستناد إلى المجتهد . وإنّما كان عدم تصرّف الشارع في المورد من قبيل عدم المانع عن كون المورد مورد لزوم الاحتياط عقلا ، فكون المجتهد أو المقلد ملزما عقلا بالفعل بالاحتياط منوط بعدم تعبّد الشارع في الظاهر ، لا أنّ الالتزام واجب مقدّمي للعمل حتى يمنع عن العدول عنه كما في غيره .
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 170
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص١٧٠