الميزان ، وهي عبارة عن القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع ، فإنّ أول موجبات البقاء ودوافع اختلال النظام بناؤهم عملا على مدح فاعل بعض الأفعال وقدح فاعل بعضها الآخر ، كحسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان المنتهية إليهما سائر القضايا ، فمعصية العبد لسيده حيث إنّها خروج عن زيّ الرّقّية ورسم العبودية ظلم منه عليه ، فيستحق الذمّ والعقاب ، لأنّ الظلم بنوعه يؤدّي إلى اختلال النظام وبتركه يبقى النظام محفوظا ، ومن الواضح أنّ الإقدام على العقوبة الأخروية ليس إقداما على ما يرتبط بهذا النظام حتى يلزم منه الاختلال وفساد النوع ، بل لو ترتب هذا الضرر لترتب في عالم آخر ، فافهم وتدبّر .
فالتحقيق في حكم التوبة أنّ بعض مراتبها كالإيمان بالعقوبة المنبعث منه الندم من المعارف الواجبة سواء صدرت منه معصية أم لا ، بل يجب التصديق بمعاقبة الكفار والعصاة وإن لم يكن المصدّق منهم ، وأمّا حبّ المعصية وبغضها بما هي معصية فحكمه معلوم لا يتفاوت فيه المعاصي وغيره ، وأمّا حب ذات المعصية لا بما هي معصية فليس بأقوى من العزم عليها ، ولا شيء على العزم عليها فلا يحرم شرعا وإن كان من مساوي الأخلاق .
وأمّا المرتبتان الأخيرتان فهما واجبتان شرعا ، لا من حيث إسقاط العقاب ، بل ترك المعصية في الحال كتركها في الماضي واجب ، وكذا القضاء كالأداء واجب شرعا ، وهكذا إيفاء حقوق الناس في كلّ آن لازم وحبسها عنهم في كلّ آن حرام ، لا من حيث إسقاط العقاب .
فبقي التندّم والعزم على العدم وطلب المغفرة ، وهذه الأمور بذواتها وبما هي مسقطة لعقاب المعصية غير واجبة شرعا ولا عقلا بملاك التحسين والتقبيح ، بل مما لا بدّ منه في النجاة من العقاب والخلاص من العذاب ، فكل عاقل ملتفت محبّ لنفسه تحصل فيه هذه الحالات قهرا ، ومن كان محتاجا إلى تهيئة أسباب
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 120
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص١٢٠