فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الصغيرة إذا صدرت من المجتنب عن الكبائر ، فالإصرار عليها بفعلها مرة بعد أولى وكرّة بعد أخرى ، وإذا صدرت من غير المجتنب عن الكبائر ، فالإصرار عليها بمقتضى النصوص بعدم الندم عليها الملازم غالبا للعزم على العود إليها ، لا العزم على فعل معصية أخرى ، فإنّ العزم الملازم لعدم الندم على ما فعل هو العزم على المعاودة إلى ما فعل لا العزم على ما لم يفعل ، نعم لو فرض عدم الندم وعدم العزم على العود لقضاء وطره بفعله مرة واحدة ، فصدق الإصرار عرفا غير معلوم ، وإن كان ظاهر النصوص المقتصرة في تفسير الإصرار على مجرد عدم الندم خصوصا بلحاظ إنّ المصرّ غير مؤمن بالعقوبة ، هو تحقق الإصرار به .
الخامسة : المعروف أنّ العدالة تزول بارتكاب الكبيرة وتعود بالتوبة .
وحيث إنّ الصحيح من الأقوال في العدالة أحد معنيين : إمّا كونها بمعنى الملكة الباعثة بالفعل على الاجتناب ، أو كونها بمعنى الاجتناب الفعلي ولولا عن ملكة ، فلا معنى لعودها بالتوبة ، بل تعود حقيقة بلا توبة ، لأنّ الاجتناب الفعلي عن الكبائر الذي هو عين العدالة أو مقوّمها يتحقّق بنفس التجنّب عن الكبائر بعد الفراغ من المعصية حقيقة ، سواء تاب عن المعصية الصادرة منه أم لا ، ودخل التوبة في عود العدالة لا معنى له إلَّا بأحد الوجوه التي كلَّها خلاف التحقيق .
منها : أنّ التوبة واجبة شرعا وجوبا مولويا ، بحيث يكون تركها من الكبائر في نفسه أو باعتبار كون المداومة على تركها إصرارا على الصغيرة ، فيكون بهذا العنوان من الكبائر ، فترك التوبة من الكبائر التي يجب التجنّب عنه في تحقّق العدالة بعد زوالها ، فعود العدالة بالتوبة حقيقي واقعي لا حكمي تعبّدي .
وهو خلاف التحقيق ، فإنّها غير واجبة بوجوب شرعي مولوي يترتب على تركها عقاب زائد على عقاب المعصية الصادرة منه ، بل وجوبها عقلي عندهم
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 113
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص١١٣